المشاركات

عرض المشاركات من نوفمبر, 2017

رسالة من على شاطئ البحر

عزيزتي منة بالأمس انهارت قلعة أخرى. لا أذكر بالضبط متى شيدت، ولم يصادف أن عاينت شرخًا في إحدى جدرانها ينسحب ببطء على بقية هيكلها، ولم تهاجم بموجة أو اثنتين قبلاً تضعفها وتهيئ لها -ولي- لحظة الانهيار. موجة عالية غمرت القلعة ثم انحسرت عن حطام، ولا شيء آخر! مرت أعوام كثيرة، لكني لا زلت أذكر الأيام التي أمضيناها سوية. طالبتان جامعيتان تطوفان في أروقة الجامعة الواسعة دون هدف، وصديقتان مقربتان تجربان كل أسبوع مطعمًا مختلفًا أو محلاً جديدًا. تبهرنا حياتنا الجديدة ويبهرنا كونها صارت جديدة لمجرد انتقالنا للجامعة. كل شيء كان جديدًا لكن جميلاً ومانحًا لقوة غريبة. هل كان هذا هو مصدر تلك القوة فعلاً؟ رأينا الحياة تتغير من حولنا فآمنا بالتغيير، ورأيناها تتغير لصورة أحببناها فاعتقدنا أنها امتثلت لرغبتنا، فآمنا بالقوة، وعندما آمنا بها امتلكناها؟ دفعتنا تلك القوة يومًا لتوقع الكثير، حلمنا بما لم نحلم به يومًا، وظننا -لعظم ما بدت عليه تلك الأحلام في عيونا ولجدتها على عقولنا الصغيرة وقتها- ألّم تزر تلك الأحلام قلوبًا قبل قلوبنا. يومًا أخبرتني -يا عزيزتي- أنك تحبين البحر وتحبين شاطئه، لكنك...

شجرة الياسمين

طريقها لا يبعد كثيرًا عن البيت، أعبر الشارع وأسير خطوات نحو التقاطع، واتجه يسارًا لأسير بمحاذاة عمارات لم ينتهي عمال البناء منها بعد، ثم بجانب أرض خالية إلا من علامات نصبها صبيان الحي ليحددوا بها المرمى عندما يلعبون كرة القدم، أعبر شارعًا آخر فأجد رائحتها تستقبلني، فأسير بضع خطوات أخرى يمينًا حتى أقف أمامها تمامًا، أتخير منها ياسمينة قريبة وأقطفها، وأجلس على الرصيف القريب منها أراقب الشارع الخالي إلا نادرًا. عند تلك الشجرة تلاقينا، وأهديتني ياسمينة منها، وجلسنا طويلاً دون أن نقول شيئًا. كانت تلك المرة الأولى التي أنتبه فيها لوجود شجرة ياسمين بهذا القرب من منزلي، فأنا، كما يبدو أنك قد استنتجت عندما رأيتني أتيه بين الشوارع المتداخلة مثلك تمامًا، لا أغادر المنزل كثيرًا، وإن حدث وخرجت فإنني لا أفعل ذلك وحيدة. رائحة الياسمين تذكرني بكل الوقت الذي أمضيته معك قبل أن ترحل، وتجلب كل ما كنت أشعر به عندما أكون معك وكأنك أمامي وكأن المسافات -التي لا أعلم مقدارها- قد ذابت بفعل الرائحة. عندما أكون معك أشعر بأن الحياة بسيطة كتلك الياسمينة التي أهديتها لي، لا تحمل سوى خمس ورقات. لا وريقات صغ...

في ليلة كغيرها من الليالي

"أنا لم أكن أنوِ السير في ذاك الطريق فعلاً. نعم، هذه كانت نيتي، وأنت لا تستطيع أن تكذب نيتي، لا تستطيع أن تكذبني! كانت نيتي صادقة تمامًا، وأعتقد أن أفعالي كانت صادقة مثلها أيضًا، لكنها الحياة، كما تعرف، لا تعبأ كثيرًا بكل هذا.." كان يبدو أنه لا يسمع. اعتدلت من نومتي والتفت إليه وراقبت صدره يعلو ويهبط بسرعة والعرق يتصبب منه ومن جبينه أيضًا، لا يزال مستيقظًا، لكن النوم سيهزمه سريعًا. سحبت الغطاء وخبأت جسدي كله تحته، وبقي نصف رأسي يخرج منه فقط لتنفس الهواء. "أتعرف، أشعر أنني بدأت أدرك كم كنا متشابهتين حقًا." كنت واثقة أنه لا يسمع. كان صدره قد بدأ يصعد ويهبط بسرعة أقل، وكانت عيناه تنغلقان وحدها رغم مقاومته لذلك. أستطيع أن أرى النوم يزحف فوقه ببطء كأفعى سوداء كبيرة، لكنها لم تكن تحتاج لأكثر من مد رأسها ناحيته حتى يسير النعاس في خلاياه كلها. ولأنني كنت واثقة أنه لا يسمع، أكملت حديثي: "أحيانًا أكره جينات والداي المميزة، تلك التي وضعتهما أمام بعضهما البعض وحتمت عليهما، باسم الخدمة المجتمعية وتحسين النسل، أن ينجبا طفلين في أربعة أعوام على الأكثر، ي...

مرآة

كل صباح، أستيقظ بنشاط وهمة بالغتين. أغسل وجهي بصابون طبيعي، وأمسح بقطنة مبللة بمحلول مطهر على حبة أو اثنتين ظهرتا اليوم على وجنتي، وألبس ما يليق بفتاة نشيطة تحب الحياة وتعتزم جعل يومها جميلاً. أعود لوجهي فأوحد ألوانه المتعددة بطبقة من "الفاوينديشن"، ولا أنسى تزيين عيني بالكحل، وأترك شعري منسدلاً خلف ظهري بعد تمشيطه. وقبل أن أغادر المنزل ألقي نظرة على مرآتي في الغرفة. "قبيحة. قبيحة مهما فعلت لمداراة قبحك" هكذا تجيبني المرآة بنبرة شامتة كل يوم، فيتبدل نشاطي فتورًا، وأغادر المنزل وأنا أجر خطوتي بالكاد، وكل ما أفكر فيه هو أنني أريد التخلص إما من وجهي أو من مرآتي، أو ربما من كليهما. كل مساء، أعود للمنزل مرهقة. أغسل وجهي من بقايا "الفاونديشن" وآثار الكحل، وأعيد تمشيط شعري ولفه في شكل كعكة دائرية، وأبدل ثيابي بملابس النوم. أقول لنفسي أن عليّ أن ابتسم لأحظى بنوم هانئ يعقبه صباح جميل، وابتسم ابتسامة صادقة فعلاً. أمر على المرآة في طريقي للسرير، فأجدها تنظر لي ثم تشيح وجهها بعيدًا، وكأنها تخشى على عينيها من اعتياد القبح فيفسد ذوقها وتفقد حاسة تذوق الجمال التي ت...

حكاية نملة

يداي تفلتان الورقة، وعيناي تغمضان استعدادًا لمواجهة الأمواج، وأرجلي تتوقف عن مقاومة الغرق، كل ذلك يحدث بشكل لا إرادي؛ ذلك أن الطاقة المتبقية داخلي لم تعد تكفي أكثر من إبقاء تلك التروس الدائرة في عقلي تلف في حركتها الطبيعية. متى تبدلت خصوم المعركة؟ أتذكر البداية. كانت منذ أسابيع فقط، لكنها تأتيني الآن في شريط فيلم تتراص فيه صور باللونين الأبيض والأسود وكأنها منذ عقود. فيلم قديم اهترأت بعض أجزائه وبهتت صور في أجزاء أخرى منه بشكل يجعل تتبع القصة صعبًا. نشأت في واحدة من أعرق قرى النمل وأكثرها تحضرًا وغنىً وقوة. بنيت القرية في مجرى نهر صغير جف منذ زمن. كنت عاملة هناك ضمن عدد مهول من العاملات. والدتي كانت من أحلى ملكات النمل وأكثرهن جمالاً، هكذا كان يحكي كل من في القرية عنها. أحببت موطني كثيرًا وأحببت كل من فيه، وكنت أشعر بانتماء حقيقي، أو هكذا كنت أعتقد. كل شيء كان يسير بشكل مثالي، حياة آمنة وغذاء وفير وأعداد العاملات من النمل المنضمات إلينا كان في زيادة مستمرة، بفضل ملكتنا الولود وذكور النمل المتوافرين في القرية، مما جعل قريتنا تتوسع وتكبر وتقوى. حسنًا، لم تستمر هذه الحياة المثال...

على شواطئ المالديف

كان اليوم طويلاً وشاقًا وممتلئًا بالمحاضرات دون فواصل، إلى جانب بعض التكليفات التي كان من المفترض تسليمها بانتهاء اليوم. لم أجد وقتًا لتناول وجبة الغداء وسط كل هذا الانشغال. ما إن أنهيت التكليف الأخير وسلمته بالبريد الإلكتروني حتى أوقف عقلي صوت "السرينة" الذي لا يمل إصداره مع اقتراب "الديدلاين". في تلك اللحظة ظننت أني سأنعم أخيرًا بالهدوء، لكن صوت زقزقة العصافير في بطني -أو قل نعيق الغربان- حل سريعًا محل صوت السرينة حارمًا أذني من بعض السكون. ألتفت حيث تجلس بسمة بجواري تقوم بنفس التكليف الذي انتهيت منه للتو: "قدامك قد إيه وتخلصي؟" أخبرتني أنها لا تحتاج سوى خمس دقائق إضافية. - طب إنتي مش جعانة؟ = جعانة؟ دا أنا هموت من الجوع، بقولك، ما تيجي أول ما ابعت الميل نروح سوا نتغدى في أي حتة عشان أنا مش قادرة - ياريت والله أنا بردو مش قادرة، بس أنا مينفعش أصرف أكتر من عشرين جنيه في الطلعة دي، الفلوس اللي معايا قربت تخلص وأنا مش هروح البيت الويك إند دا يعني هقعد في السكن أسبوع كمان بشوية الفلوس اللي معايا، فالواحد لازم يحاسب بقى = يا ستي عشرين جنيه دول زي ...

زيارة لمتحف مدينتنا

"أهلاً بكم في المتحف الأول من نوعه على مستوى العالم، والذي كان بداية حقيقية حركت الدراسات حول الموضوع الرئيسي للمتحف في مختلف بقاع الأرض وأدت إلى إنشاء متاحف أخرى في أماكن عدة. أهلاً بكم في المتحف الوطني للمشاعر البشرية المركبة" لا أعرف الكثير عن المتحف سوى أنه الأول من نوعه في العالم، لكني لا أفهم ما يهتم المعرض به. عندما أخبرتني سمية بأن نزور المتحف في عطلة نهاية الأسبوع، تساءلت ضاحكة إن كانت تفهم شيئًا مما يقال عن ذلك المتحف أصلاً. "أفهم أنه متحف فريد، والباقي نفهمه عندما نزوره، وإلا فما فائدة الزيارة" بدا لي ردها مقنعًا. سكتت برهة قبل أن تكمل: "ودخول الطلبة مجاني" بدا لي ذلك الجزء أكثر إقناعًا. "أعلم أن الكثيرين منكم لا يعلمون معنى مصطلح مشاعر بشرية مركبة. لذلك قبل أن نبدأ جولتنا سنحاول شرحه بإيجاز، ثم ستتولى جولتنا هنا شرح الأمر بتفاصيل أكثر. منذ عقود طويلة، قرر البشر الاستغناء عن كل ما يستنزف طاقتهم دون داعٍ، وذلك ليوفروا طاقة أكبر لإنشاء النهضة الحديثة التي نعيش آثارها الآن. لم يحدث ذلك على مرحلة واحدة بالطبع، لكن النجاح في التخلص من ...

الطريق إلى قلب الأمير

"أنا مبقتش قادرة أحدد اللي المفروض أعمله. كل اللي كنت بفكر فيه هو إزاي أقنعه إني مختلفة فعلا فيحبني أنا ويختارني من بينهم كلهم" قالتها وهي تتمد أمامي على "الشيزلونج". تنهدت ثم حدقت في السقف وأكملت: "من ساعة ما قريت الخبر في التليفزيون، وعرفت إن الأمير قرر يتجوز، وإنه عشان يختار جميلة جميلات المدينة هيعمل حفلة كبيرة تحضرها كل الجميلات عشان يختار هو منهم أكتر عشر بنات عجبوه، وهيعمل اختبار للعشر بنات دول عشان يعرف شخصيتهم وهيعمل معاهم مقابلات، واللي هتقدر تبهره بشخصيتها هيتجوزها، من ساعة ما قريت الخبر دا وأنا عمالة أفكر في فستان الفرح وتفاصيل يوم العمر وأسامي ولادنا الأمراء اللي هنجيبهم. دي اللحظة اللي قررت فيها إن محدش هيخطف قلب الأمير غيري أنا. بسرعة مليت الأبليكيشن وسلمت كل الورق اللي بيثبت إني مستوفية شروطهم، وأخدت دعوة لحضور الحفلة قبل ما ال 500 دعوة اللي أعلنوا عنهم يخلصوا، والحمد لله لحقت دعوة ومبقاش فاضل غير إني أجهز للحفلة! ولأني منظمة جدًا وبحب إن كل حاجة في حياتي تمشي بخطة واضحة، بدأت أشوف أنا محتاجة أعمل إيه عشان أبان جميلة كفاية عشان يخت...