على شواطئ المالديف

كان اليوم طويلاً وشاقًا وممتلئًا بالمحاضرات دون فواصل، إلى جانب بعض التكليفات التي كان من المفترض تسليمها بانتهاء اليوم. لم أجد وقتًا لتناول وجبة الغداء وسط كل هذا الانشغال. ما إن أنهيت التكليف الأخير وسلمته بالبريد الإلكتروني حتى أوقف عقلي صوت "السرينة" الذي لا يمل إصداره مع اقتراب "الديدلاين". في تلك اللحظة ظننت أني سأنعم أخيرًا بالهدوء، لكن صوت زقزقة العصافير في بطني -أو قل نعيق الغربان- حل سريعًا محل صوت السرينة حارمًا أذني من بعض السكون. ألتفت حيث تجلس بسمة بجواري تقوم بنفس التكليف الذي انتهيت منه للتو: "قدامك قد إيه وتخلصي؟" أخبرتني أنها لا تحتاج سوى خمس دقائق إضافية.

- طب إنتي مش جعانة؟
= جعانة؟ دا أنا هموت من الجوع، بقولك، ما تيجي أول ما ابعت الميل نروح سوا نتغدى في أي حتة عشان أنا مش قادرة
- ياريت والله أنا بردو مش قادرة، بس أنا مينفعش أصرف أكتر من عشرين جنيه في الطلعة دي، الفلوس اللي معايا قربت تخلص وأنا مش هروح البيت الويك إند دا يعني هقعد في السكن أسبوع كمان بشوية الفلوس اللي معايا، فالواحد لازم يحاسب بقى
= يا ستي عشرين جنيه دول زي الفل والله، يأكلونا أحلى ساندوتش شاورما سوري، وإنتي كده كده بطنك صغيرة وهتشبعي من ساندوتش واحد
- يادي بطني الصغيرة!  طب ركزي طيب عشان نخلص بقى ونروح ناكل
= حاضر خلاص أهو
أخذت أتشاغل عن الأصوات الصادرة من بطني بالتقليب في فيس بوك ريثما تنتهي بسمة إيذانًا بانتهاء عنائي أيضًا.
....

= بس إيه رأيك في المطعم يا سلمى؟ حاجة خرافة مش كده؟
- يا بنتي إنتي بتتكلمي في إيه، دي غالبًا أحلى شاورما سوري كلتها في حياتي
= المرة الجاية بقى عايزين نجرب المطعم اللي اسمه شاورما الشام اللي فتح قريب دا، الناس بتقول عليه كلام زي الفل
- مش دا اللي كنا قلبنا في المنيو بتاعته من كام يوم؟
= أيوه هو
- لا دا عايز ميزانية دا يا بسمة
قلتها وضحكت
= مش أوي يعني، هو بصراحة عايز مرة نكون يادوب لسة راجعين من البيت وواخدين فلوس، إنما مينفعش دلوقتي خالص وإحنا مفلسين كده
- عارفة يا بسمة، أنا هحس إني وصلت فعلاً أما ابقى مستقرة ماديًا لدرجة تخليني مش محتاجة أبص ع المنيو قبل ما أقرر هدخل المطعم ولا لأ
ضحكت بسمة طويلاً على جملتي الأخيرة، ثم قالت وهي تحاول جعل كلماتها واضحة رغم ضحكها الذي لم يتوقف بعد:
= تصدقي دا تعريف كويس للاستقرار المادي فعلاً
- أيوه أومال، ساعتها هتدخلي أي مطعم براحتك مهما كان المبلغ اللي هتدفعيه لمجرد إن أكله حلو.

سكت برهة وأنا أفكر، ثم أكملت:

- حاولي تقيسي دا بقى على كل حاجة، لما يبقى معاكي فلوس هتاخدي قراراتك بأريحية أكتر لأن الفلوس مش هتبقى عائق any more، هتروحي ورا الأحسن من غير تنازلات
= بس الفلوس مش دايمًا بتبقى العائق الوحيد اللي بيخلينا مش قادرين نختار الأحسن من وجهة نظرنا يعني
- هي ممكن متبقاش العائق الوحيد، بس لو هي موجودة ممكن تلاقي بديل كويس ومناسب بس أغلى مثلاً، وساعتها مش هتبقي خسرتي كتير. الفلوس ممكن تحل مشاكل كتير والله
 = امممم، مش حاسة إني متفقة معاكي الحقيقة
- إيه دا إزاي؟ أوعي تكوني من بتوع الفلوس مش كل حاجة والفلوس مش بتشتري السعادة والكلام دا!
ردت وهي تضحك
= الحقيقة آه أنا منهم، إيه المشكلة؟
- منهم إزاي بس دي مشكلة كبيرة. يا بنتي لو السعادة مجتش خدي الفلوس وسافري ازعلي في جزر المالديف براحتك، دا لو جالك قلب يا ظالمة
ضحكت بسمة مجددًا، لكن ضحكتها هذه المرة كانت أقصر، تحولت ملامحها بعدها لتأخذ طابعًا أكثر جدية وهي ترد:
= بصي، أنا عارفة إن جزر المالديف جميلة، بس لو خيروني أزعل هنا وسط الغربة والمذاكرة ولا أزعل وأنا قاعدة ع البحر هناك، هختار إني أزعل هنا
- فقرية أقسم بالله
= لا صحيح والله، فكري فيها كده: أنا لو دلوقتي حسيت إني زعلانة ممكن أسيبك وأروح أنام في أوضتي والحياة هتبقى حلوة
نظرت لها غاضبة، لكنها ضحكت دون مبالاة، ثم أكملت:
= لكن لو زعلت هناك، وأنا في مكان بالجمال دا، ومعايا الفلوس اللي تجيبلي كل متع الدنيا، بس بردو مفيش حاجة فيهم قادرة تبسطني، ومفيش حاجة أقدر أشتريها بفلوسي تخلي حزني دا ينتهي، ساعتها الحزن هيتقلب عجز. وبالنسبالي إحساس العجز دا سي جدًا، أسوأ من الحزن بمراحل
- وإنتي مش هتحسي بالعجز لما تبقي عارفة إن مشكلتك حلها الفلوس بس الفلوس مش موجودة؟
= أعتقد إن فكرة إني عارفة الحل دي مريحة، ساعتها هدور على طريقة أزود بيها دخلي مثلا أو آخد قرض، مش شرط النهاية تبقى كويسة، بس ع الاٌقل أنا عارفة المشكلة وعارفة حلها، ودا مش هيخليني حاسة بالعجز أوي أعتقد
صمتنا وكأننا نفكر.
- بس بردو أنا عايزة أزعل على شط المالديف، ولما أبقى أحس بالعجز أبقى أجيلك تسليني وخلاص وأمري لله
= يا ستي اتجدعني وسافري وإن شاء الله ربنا مش هيجيب زعل، ويلا تصبحي على خير بقى عشان ورايا محاضرة تمانية وتلت
- إيه دا بجد طب ابقى صحيني معاكي والنبي
= طب ما تدخلي تنامي عشان متغلبنيش؟!
- أهو أنا لو معايا فلوس كنت أجرت حد يصحيني من غير ما يمن عليا زيك
= ولا فلوس الدنيا تخلي حد يستحمل يصحيكي كل يوم والله، شفتي بقى إن الفلوس مش كل حاجة؟

ضحكنا، ثم ذهبت كل منا لغرفتها. 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية نملة

الكهف

حقيبة سفر