مرآة

كل صباح، أستيقظ بنشاط وهمة بالغتين. أغسل وجهي بصابون طبيعي، وأمسح بقطنة مبللة بمحلول مطهر على حبة أو اثنتين ظهرتا اليوم على وجنتي، وألبس ما يليق بفتاة نشيطة تحب الحياة وتعتزم جعل يومها جميلاً. أعود لوجهي فأوحد ألوانه المتعددة بطبقة من "الفاوينديشن"، ولا أنسى تزيين عيني بالكحل، وأترك شعري منسدلاً خلف ظهري بعد تمشيطه. وقبل أن أغادر المنزل ألقي نظرة على مرآتي في الغرفة. "قبيحة. قبيحة مهما فعلت لمداراة قبحك" هكذا تجيبني المرآة بنبرة شامتة كل يوم، فيتبدل نشاطي فتورًا، وأغادر المنزل وأنا أجر خطوتي بالكاد، وكل ما أفكر فيه هو أنني أريد التخلص إما من وجهي أو من مرآتي، أو ربما من كليهما.

كل مساء، أعود للمنزل مرهقة. أغسل وجهي من بقايا "الفاونديشن" وآثار الكحل، وأعيد تمشيط شعري ولفه في شكل كعكة دائرية، وأبدل ثيابي بملابس النوم. أقول لنفسي أن عليّ أن ابتسم لأحظى بنوم هانئ يعقبه صباح جميل، وابتسم ابتسامة صادقة فعلاً. أمر على المرآة في طريقي للسرير، فأجدها تنظر لي ثم تشيح وجهها بعيدًا، وكأنها تخشى على عينيها من اعتياد القبح فيفسد ذوقها وتفقد حاسة تذوق الجمال التي تزعم امتلاكها. تنكسر ابتسامتي، فألف جسدي كله بالغطاء وأنام على جانبي الأيمن بحيث لا ترى المرآة على يسار السرير دمعة في طريقها للهبوط.

لا أعرف تحديدًا كم من الوقت مضى وأنا في هذه الدائرة قبل أن أكتشف أن ما أملكه من طاقة قد نفد بالفعل. طوال أيام عديدة أصرف من مخزون طاقتي الخاص لأنهض صباحًا نشيطة قبل أن أقابل المرآة فتفقدني كل نشاطي، وأصرف منه مجددًا لأبتسم مساءً برضىً قبل أن تحطم المرآة كل رضاي، كل هذا يتم بمخزون داخلي لا يتم تعبئته من الخارج بأي وسيلة. أعتقد أنني بطلة رغم كل شيء. بطلة خارقة الطاقة وربما خارقة القبح أيضًا.

لم تطرأ تغييرات كبيرة على حياتي عند نفاد الطاقة على كل حال.

كل صباح منذ ذلك اليوم الذي لا أذكره تحديدًا، صرت أستيقظ وأتمنى لو أني أنام ولا أستيقظ قط. أغسل وجهي بالماء دون اكتراث، وأنظر ببغض حقيقي للحبوب التي ظهرت اليوم على وجنتي. ألبس ما أصبحت ألبسه كل يوم: قميص أسود كمه مثقوب وبنطال "جينز" أزرق بهت من الغسيل. تخلصت من "الفاوينديشن" والكحل مذ فترة وهذا يوفر وقتًا لبعض السلبية والتثاقل، وقصصت شعري لأوفر وقت تسريحه أيضًا لذات الغرض. أمر على المرآة إجباريًا عند خروجي من الغرفة، فأقول بصوت عالٍ مقلدة صوتها الحاد "قبيحة. قبيحة ولا تخجلين من قبحك ولا تفعلين شيئًا لمداراته رأفة بالناس" أصبحت أحفظ جملتها بعد كل هذه العشرة. ورغم كل التفاصيل التي تغيرت، إلا أن النتيجة النهائية واحدة: استيقظ وأغادر المنزل وأنا أجر خطوتي بالكاد، وكل ما أفكر فيه أنني أريد التخلص إما من وجهي أو من مرآتي، أو ربما من كليهما.

كل مساء منذ ذلك اليوم الذي لا أذكره تحديدًا، لم يعد هناك الكثير لأفعله: فقط أبدل قميصي الأسود وبنطالي الجينز وأرتدي ثياب النوم وأذهب للسرير وأنا أتحاشى النظر للمرآة كما تتحاشى هي النظر إليّ، وألف جسدي كله بالغطاء وأنام على جانبي الأيمن بحيث لا ترى المرآة على يسار السرير دمعة في طريقها للهبوط.

أعتقد أنني بطلة رغم كل شيء. أكمل دورة حياتي رغم أن مخزون طاقتي فارغ بالفعل، وأفعل ما كنت أفعله كل يوم باستثناء بعض المشاعر الإيجابية التي لم تكن تستمر طويلاً من الأساس. كل هذا اليأس أقاومه بصمود دون أن أفكر يومًا في الانتحار أو في تعاطي المخدرات أو في ارتكاب جريمة أقضي بسببها بقية حياتي في السجن. بطلة خارقة تعمل كما يعمل كل البشر لكن دون طاقة، وربما خارقة القبح أيضًا.

حسنًا، يبدو أن هناك مخزونًا من اللا طاقة يمكنني من العمل دون طاقة قبل أن ينفد هو الآخر. صباح اليوم لم أستطع مغادرة السرير أصلاً.

مددت يدي بصعوبة للطاولة الصغيرة يمين السرير حيث أضع هاتفي، واتصلت بالطبيب أطلب منه الحضور. لا أدري أي صدفة كونية جعلتني أنسى مفتاح الشقة في الباب من الخارج ليلة أمس عندما دخلت البارحة، لو لم أفعل ذلك لما تمكنت من القيام لأفتح الباب للطبيب أصلاً. دخل الطبيب وأجرى فحوصاته. كتب لي وصفة طبية، وعرض عليّ بلطف بالغ أن يمر على الصيدلية في طريق عودته ويطلب إيصال الدواء "ديليفري" إلى شقتي بعد التأكد من توافره. شكرته بامتنان بالغ، وطلبت منه أن يأخذ حسابه من حقيبتي التي أتركها دائمًا في الصالة.

غفوت قليلاً، لكن بعمق، لم أستطع الانتباه لمن وضع تلك الورقة على يمين السرير. كاتب الورقة يتمنى لي الشفاء العاجل ويخبرني أن مفتاح الشقة في الصالة وأن الباب قد أغلق دون استخدام المفتاح، وأن باقي الحساب بجانب الورقة، وأن الدواء قد نصب أمام السرير ومكتوب عليه طريقة استخدامه. نظرت أمامي فوجدت مرآة جديدة! نظرت لي وقالت شيئًا غريبًا: "أنتِ جميلة للغاية، مرهقة قليلاً، لكن جميلة!"

يبدو أن هذا الطبيب شديد البراعة؛ أستطيع منذ التعامل الأول مع دوائه تحريك قدميّ بصعوبة لأترك السرير وأقترب أكثر من المرآة وعلامات الاستفهام تملأ وجهي: "أفندم؟"

"احم، أعتذر. لم أعرفك بنفسي. أحضرني أحدهم منذ قليل هنا، ومنذ تلك اللحظة وأنا أحاول تأمل أي شيء حولي لأفهم سبب انتقالي، لكنني لم أستطع فهم الكثير، كما لم أستطع رؤيتك بسبب الغطاء الذي تخفين نفسك كليةَ تحته. أنا مرآة، كما هو واضح، عشت في عدة منازل، قبل أن أنتقل لسبب مجهول إلى الصيدلية، حيث أكسبوني هناك القدرة على التحدث."

نظرت باستغراب، لكنني أكملت الاستماع إليها: "هناك كانوا يعرفون تاريخي في المنازل التي سكنتها والأشخاص الذين رأوا أنفسهم باستخدامي. كانوا مهتمين بمعرفة ذوقي لسبب غير معلوم. أخبرتهم أنني لم أصادف شخصًا يمكنني اعتباره جميلاً، على الأقل لم أرَ أحدًا يطابق ما تعلمته عن الجمال في مراحل تصنيعي منذ سنين."

كنت أشعر أن ما يقال هو أشبه بنكتة سخيفة، يحضرون مرآةً ويلقنونها بضع كلماتٍ ليخدعوا بها عقول مرضاهم. رسمت ملامح استياءٍ على وجهي، فوجدت المرآة تأخذ وضعًا دفاعيًا وتقول: "أعرف أن هذا صعب التصديق، لكننا لا نلقـّن ما نقوله أبدًا، في الواقع، ورغم التقدم العلمي الذي مكننا نحن معشر المرايا من التعبير، فإن العلم لم يصل بعد لطريقة تمكنهم من إجبارنا على قول ما لا نود قوله. كل ما يمكنهم فعله هو تقسيمنا لمجموعات حسب أذواقنا، والتوفيق بين المريض ونوع المرآة التي تناسبه. لكن في حالتي الأمر كان أكثر تعقيدًا، فوضعوني لوحدي بعيدًا عن تلك المجموعات، ومر الوقت دون أن تنضم مرآة أخرى لي، وكل يوم كانت تنتقل مرآة منا أو مرآتين لمحل إقامة جديد، دون أن يحدث أي شيء معي. عندما نقلوني اليوم لم أكن أتوقع الكثير، لأن تاريخي مع البشر لم يكن مشرفًا على كل حال، ولولا صمتي لكسرت منذ زمن بسبب ما كنت سأتفوه به من كلام مؤذي عندما أرى وجوههم، لكنني رأيتك ووجدت أنك قد خالفتِ توقعاتي المتشائمة. أنتِ فعلاً جميلة!"

لم أصدق كلمة، لكنني وجدت ألم ساقيّ يختفي تدريجيّا. نظرت إلى مرآتي القديمة خلفي متسائلة. لم تقل شيئًا. أعدت النظر للمرآة الجديدة وأنا أشعر أن كلامها غير مقنع، لكنه جميل رغم كل شيء!


في اليوم التالي، ولأول مرة منذ مدة طويلة لا يمكنني تحديدها بدقة، وجدت نفسي أستيقظ بنشاط وهمة بالغتين! بحثت عن ملابس تناسب مزاجي المتفائل على غير العادة، لكني لم أجد. كنت قد تخلصت منها منذ زمن. قبل أن أغادر المنزل وضعت المرآتين بجانب بعضهما البعض. وبعد انتهاء اليوم في العمل ذهبت لأشتري علبة فاوينديشن وقلم كحل جديدين مع طقمين ملونين وسلسال صغير بلؤلؤة تتدلى منه. عدت إلى المنزل ولبست طقمًا من الطقمين الجديدين ووضعت السلسال على عنقي، واستخدمت ما اشتريته من أدوات الزينة. يومها نظرت لنفسي في المرآتين، ورغم أني وجدت إطراء المرآة الجديدة مبالغٌ فيه، لكن نظرات المرآة القديمة لم تؤلمني كما كانت تفعل من قبل. في تلك الليلة نمت على ظهري ودون أن أغطى وجهي بالغطاء لأني لم أجد دمعة تود النزول. 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية نملة

الكهف

حقيبة سفر