المشاركات

سيناريوهات

سيناريو 1: استيقظت صباحًا بسبب الألم الشديد في ظهري، لأكتشف أنني كنت نائمة على الأرض في الصالة. أخذت أنظر حولي لأفهم ما الذي حدث وأنا ألف ذراعي خلفي وأمسك بيدي مواضع الألم في ظهري. الألوان المتناثرة على الأرض بجانبها اللوحة الكبيرة غير المكتملة ذكرتني أنني البارحة قررت العودة للرسم بعد انقطاع طويل، ربما منذ شهرين أو أكثر قليلاً. يدي المتسخة وشعري غير المصفف وملابسي التي لم أعتد النوم بها تقول أني لم أخطط النوم هنا، لكن النوم غلبني على كل حال. نظرت للساعة المعلقة أمامي فوجدت أن أمامي نصف ساعة فقط! قمت فزعة أقاوم ثقل رأسي ووجع ظهري وصوتها الحاد الغاضب الذي استحضرته أول شيء عندما أفقت. قاومت ذلك كله وقمت تاركة الفوضى خلفي واعدة نفسي بالعودة لها إما لإنهاء اللوحة -أو لإنهاء مشروع اللوحة ووقف تنفيذه لأجل غير مسمى- وإعادة كل شيء إلى مكانه. أمامي نصف ساعة فقط، وقت قليل بالنسبة لما يفترض أن أنجزه فيها: أدخل الحمام وأغسل بقايا الألوان عن يدي وأتوضأ لأصلي، أسخن الخبز وأقلي البيض للفطور، وأسلق المكرونة وأضيف إليها التونة والذرة والزيتون والفلفل الأخضر والأحمر وأضعها في العلبة البلاستيكية البي...

حبات رمال

استيقظت باكرًا على غير العادة، أعلمني بذلك المنبه الصغير القديم الموضوع على يسار السرير. بجانب المنبه برواز خشبي مطلي بالأبيض يزين إطاره أسفل يساره وردة حمراء كبيرة، يحمل صورة من صور زفافنا، يقف فيها خلفي ويحيط خصري بذراعيه، بينما أدير رأسي ناحيته دون أن أدير جسدي. نظرت يميني فلم أجده نائمًا. اليوم يوم مهم؛ زيارة دبلوماسية واتفاقية شراكة، وأشياء لا تقنعني جدواها لكني يجب أن أرتب لها جيدًا وأن أحرص على أن تمر الزيارة دون أي خطأ. في يوم كهذا يكون مهمًا أن تبرز للحاضرين مدى تقديرك لمجيئهم، والحقيقة هي ألا شيء أفضل من مظهر مثالي ليمنحهم هذا التقدير. أعرف ما الذي سأرتديه دون أن أحتاج للوقوف طويلاً أمام خزانة الملابس: فستان أسود قصير يصل للركبة بالكاد، ويتولى مهمة تغطية باقي الساق جورب أسود طويل وأنيق، كم الفستان طويل وينتفخ من أعلى الذراعين، ووسطه يجسم الخصر ثم يتسع نزولًا بفضل الكسرات التي تزينه. مع الفستان حذاء بكعب طويل ورفيع باللون الأحمر الزاهي، وكذلك لون الحجاب، وحقيبة يد سوداء بمنديل أحمر معقود على إحدى يديها. يكمل الإطالة كحل أسود خفيف وأحمر شفاه قاتم. كل شيء يبدو مثاليّا. أثنا...

باقة النت

"أهلاً بيكي يا فندم أقدر أساعد حضرتك إزاي" قالت ما قالته دفعًا دون وقوف على "يا فندم" أو إبداء لهجة استفهامية في سؤالها، مع ابتسامة مصطنعة يتبعها تحريك الرأس للأعلى والأسفل في إشارة إلى أن فرصتي في التحدث قد أتيحت، كل ذلك وهي تنظر للشاشة المضيئة أمامها لا لي. ختمت تلك الجملة الرتيبة انتظارًا دام ثلث ساعة. - آه ياريت تساعديني فعلاً، عشان أنا جبت آخري منكم كلكم والله! = ليه بس يا فندم إيه اللي حصل بلهجتها الرتيبة مجددًا وأسئلتها التي تخلو من أي أمارة استفهام - اللي حصل يا ستي إنكم شوية نصابين = ياريت يا فندم حضرتك تهدي وتفهميني المشكلة عشان أقدر أساعد حضرتك قالتها وهي تحاول تهدئتي دون أن ترفع عينيها من على الشاشة أمامها - دلوقتي أنا كنت جددت باقة 30 = تمام يا فندم - خلصت بعد يومين وأنا كل اللي عملته في اليومين دول إني قعدت على ماسنجر ساعتين تلاتة مثلاً = في اليوم يا فندم؟ - تفرق معاكي في حاجة؟ = لا يا فندم أنا بس بحاول أقدر استهلاك حضرتك - وهو لو استهلاك حضرتي ست ساعات على ماسنجر كل يوم دا يخلص جيجا ونص في يومين؟! قلتها بغيظ لم ...

رسالة من على شاطئ البحر

عزيزتي منة بالأمس انهارت قلعة أخرى. لا أذكر بالضبط متى شيدت، ولم يصادف أن عاينت شرخًا في إحدى جدرانها ينسحب ببطء على بقية هيكلها، ولم تهاجم بموجة أو اثنتين قبلاً تضعفها وتهيئ لها -ولي- لحظة الانهيار. موجة عالية غمرت القلعة ثم انحسرت عن حطام، ولا شيء آخر! مرت أعوام كثيرة، لكني لا زلت أذكر الأيام التي أمضيناها سوية. طالبتان جامعيتان تطوفان في أروقة الجامعة الواسعة دون هدف، وصديقتان مقربتان تجربان كل أسبوع مطعمًا مختلفًا أو محلاً جديدًا. تبهرنا حياتنا الجديدة ويبهرنا كونها صارت جديدة لمجرد انتقالنا للجامعة. كل شيء كان جديدًا لكن جميلاً ومانحًا لقوة غريبة. هل كان هذا هو مصدر تلك القوة فعلاً؟ رأينا الحياة تتغير من حولنا فآمنا بالتغيير، ورأيناها تتغير لصورة أحببناها فاعتقدنا أنها امتثلت لرغبتنا، فآمنا بالقوة، وعندما آمنا بها امتلكناها؟ دفعتنا تلك القوة يومًا لتوقع الكثير، حلمنا بما لم نحلم به يومًا، وظننا -لعظم ما بدت عليه تلك الأحلام في عيونا ولجدتها على عقولنا الصغيرة وقتها- ألّم تزر تلك الأحلام قلوبًا قبل قلوبنا. يومًا أخبرتني -يا عزيزتي- أنك تحبين البحر وتحبين شاطئه، لكنك...

شجرة الياسمين

طريقها لا يبعد كثيرًا عن البيت، أعبر الشارع وأسير خطوات نحو التقاطع، واتجه يسارًا لأسير بمحاذاة عمارات لم ينتهي عمال البناء منها بعد، ثم بجانب أرض خالية إلا من علامات نصبها صبيان الحي ليحددوا بها المرمى عندما يلعبون كرة القدم، أعبر شارعًا آخر فأجد رائحتها تستقبلني، فأسير بضع خطوات أخرى يمينًا حتى أقف أمامها تمامًا، أتخير منها ياسمينة قريبة وأقطفها، وأجلس على الرصيف القريب منها أراقب الشارع الخالي إلا نادرًا. عند تلك الشجرة تلاقينا، وأهديتني ياسمينة منها، وجلسنا طويلاً دون أن نقول شيئًا. كانت تلك المرة الأولى التي أنتبه فيها لوجود شجرة ياسمين بهذا القرب من منزلي، فأنا، كما يبدو أنك قد استنتجت عندما رأيتني أتيه بين الشوارع المتداخلة مثلك تمامًا، لا أغادر المنزل كثيرًا، وإن حدث وخرجت فإنني لا أفعل ذلك وحيدة. رائحة الياسمين تذكرني بكل الوقت الذي أمضيته معك قبل أن ترحل، وتجلب كل ما كنت أشعر به عندما أكون معك وكأنك أمامي وكأن المسافات -التي لا أعلم مقدارها- قد ذابت بفعل الرائحة. عندما أكون معك أشعر بأن الحياة بسيطة كتلك الياسمينة التي أهديتها لي، لا تحمل سوى خمس ورقات. لا وريقات صغ...

في ليلة كغيرها من الليالي

"أنا لم أكن أنوِ السير في ذاك الطريق فعلاً. نعم، هذه كانت نيتي، وأنت لا تستطيع أن تكذب نيتي، لا تستطيع أن تكذبني! كانت نيتي صادقة تمامًا، وأعتقد أن أفعالي كانت صادقة مثلها أيضًا، لكنها الحياة، كما تعرف، لا تعبأ كثيرًا بكل هذا.." كان يبدو أنه لا يسمع. اعتدلت من نومتي والتفت إليه وراقبت صدره يعلو ويهبط بسرعة والعرق يتصبب منه ومن جبينه أيضًا، لا يزال مستيقظًا، لكن النوم سيهزمه سريعًا. سحبت الغطاء وخبأت جسدي كله تحته، وبقي نصف رأسي يخرج منه فقط لتنفس الهواء. "أتعرف، أشعر أنني بدأت أدرك كم كنا متشابهتين حقًا." كنت واثقة أنه لا يسمع. كان صدره قد بدأ يصعد ويهبط بسرعة أقل، وكانت عيناه تنغلقان وحدها رغم مقاومته لذلك. أستطيع أن أرى النوم يزحف فوقه ببطء كأفعى سوداء كبيرة، لكنها لم تكن تحتاج لأكثر من مد رأسها ناحيته حتى يسير النعاس في خلاياه كلها. ولأنني كنت واثقة أنه لا يسمع، أكملت حديثي: "أحيانًا أكره جينات والداي المميزة، تلك التي وضعتهما أمام بعضهما البعض وحتمت عليهما، باسم الخدمة المجتمعية وتحسين النسل، أن ينجبا طفلين في أربعة أعوام على الأكثر، ي...

مرآة

كل صباح، أستيقظ بنشاط وهمة بالغتين. أغسل وجهي بصابون طبيعي، وأمسح بقطنة مبللة بمحلول مطهر على حبة أو اثنتين ظهرتا اليوم على وجنتي، وألبس ما يليق بفتاة نشيطة تحب الحياة وتعتزم جعل يومها جميلاً. أعود لوجهي فأوحد ألوانه المتعددة بطبقة من "الفاوينديشن"، ولا أنسى تزيين عيني بالكحل، وأترك شعري منسدلاً خلف ظهري بعد تمشيطه. وقبل أن أغادر المنزل ألقي نظرة على مرآتي في الغرفة. "قبيحة. قبيحة مهما فعلت لمداراة قبحك" هكذا تجيبني المرآة بنبرة شامتة كل يوم، فيتبدل نشاطي فتورًا، وأغادر المنزل وأنا أجر خطوتي بالكاد، وكل ما أفكر فيه هو أنني أريد التخلص إما من وجهي أو من مرآتي، أو ربما من كليهما. كل مساء، أعود للمنزل مرهقة. أغسل وجهي من بقايا "الفاونديشن" وآثار الكحل، وأعيد تمشيط شعري ولفه في شكل كعكة دائرية، وأبدل ثيابي بملابس النوم. أقول لنفسي أن عليّ أن ابتسم لأحظى بنوم هانئ يعقبه صباح جميل، وابتسم ابتسامة صادقة فعلاً. أمر على المرآة في طريقي للسرير، فأجدها تنظر لي ثم تشيح وجهها بعيدًا، وكأنها تخشى على عينيها من اعتياد القبح فيفسد ذوقها وتفقد حاسة تذوق الجمال التي ت...