شجرة الياسمين

طريقها لا يبعد كثيرًا عن البيت، أعبر الشارع وأسير خطوات نحو التقاطع، واتجه يسارًا لأسير بمحاذاة عمارات لم ينتهي عمال البناء منها بعد، ثم بجانب أرض خالية إلا من علامات نصبها صبيان الحي ليحددوا بها المرمى عندما يلعبون كرة القدم، أعبر شارعًا آخر فأجد رائحتها تستقبلني، فأسير بضع خطوات أخرى يمينًا حتى أقف أمامها تمامًا، أتخير منها ياسمينة قريبة وأقطفها، وأجلس على الرصيف القريب منها أراقب الشارع الخالي إلا نادرًا.

عند تلك الشجرة تلاقينا، وأهديتني ياسمينة منها، وجلسنا طويلاً دون أن نقول شيئًا. كانت تلك المرة الأولى التي أنتبه فيها لوجود شجرة ياسمين بهذا القرب من منزلي، فأنا، كما يبدو أنك قد استنتجت عندما رأيتني أتيه بين الشوارع المتداخلة مثلك تمامًا، لا أغادر المنزل كثيرًا، وإن حدث وخرجت فإنني لا أفعل ذلك وحيدة.

رائحة الياسمين تذكرني بكل الوقت الذي أمضيته معك قبل أن ترحل، وتجلب كل ما كنت أشعر به عندما أكون معك وكأنك أمامي وكأن المسافات -التي لا أعلم مقدارها- قد ذابت بفعل الرائحة. عندما أكون معك أشعر بأن الحياة بسيطة كتلك الياسمينة التي أهديتها لي، لا تحمل سوى خمس ورقات. لا وريقات صغيرة مختبئة ولا شوك مدسوس يفسد استمتاعك بملمس الوردة الناعم. لا أشياء غير متوقعة. لا مفاجآت. لا شيء غير خمس ورقات بيض ناعمة تداعب كفي بهدوء وكأنها تقول لي أنها بحوزتي تمامًا. لكنني مؤخرًا اكتشفت أن الحياة ليست كتلك الياسمينة أبدًا! الحياة تحمل الكثير من كل ما لا نعرف عنه شيئًا، وهذا مخيف!

كل يوم أشتاق لجلستنا، لأني كنت أرى ساعتها حياة أكثر أمنًا من تلك التي أعيشها الآن، وكلما أشتاق تحملني قدماي لشجرة الياسمين وتقطف يدي ياسمينة تشمها أنفي، لكن هذا لم يجعل عقلي يومًا يفكر كما كان يفكر سابقًا. عندما تدرك أن ما تراه أمامك صورة لوجه امرأة عجوز وليس مجرد بقع من الألوان، فإنك لن تعود قادرًا على رؤية بقع الألوان وحدها من جديد.

أذكر كل ما كنت تقوله، وكل ما كنت لا تقوله لكن عينيك تفضحه، وعيناك أخبرتني يومًا أنك ترى الحياة مخيفة مثلي تمامًا. لكنك رحلت. فضلت الانخراط فيما يخيفك، لأن الترقب كان يخيفك أكثر، لكنني لم أقدر! رحلت وحدك ووعدتني بأن تعود، وعندما تعود سيكون لغز الحياة المخيف قد تكشف أمامك، وعندها ستمسك بيدي وتأخذني لقلب الحياة وتريني أنها لم تعد مخيفة!

لا أعلم أين أنت ولا كيف تسير رحلة كشف لغزك، كل ما أعرفه أنني أفتقدك، وأن الحياة بدون وجودك في الجوار مخيفة، لكنني أعلم -رغم أنني لم أجرب ذلك بعد- بأن انقطاع أمل لقائك سيكون أكثر إخافة، لذا لا أرغب تجربة ذلك على الإطلاق، حتى لو كان معنى هذا ألا أبحث عنك، فقط لقتل احتمالية معرفة ما يمكن أن يقطع ذلك الأمل.

لا أعلم كم من الوقت مر منذ رحلت، اليوم حاولت البحث حولي عن شيء أستدل به على تقدير مدة غيابك. فعبرت الشارع وسرت نحو التقاطع، واتجهت يسارًا بمحاذاة عمارات شديدة الفخامة، ثم بجانب سوق تجاري كبير تتزاحم السيارات أمامه بشكل عطل سيري. عبرت الشارع فلم أجد الرائحة، فقدرت أن الجو الخالي من أي نسمات تجلب الرائحة هو السبب. سرت الخطوات المتبقية لأصل للمكان. الشجرة ذبلت، وكل ما كانت تحمل من ياسمين تساقط عنها وتبدل لونه الأبيض الزاهي، والرصيف بدأت إزالته، وكذلك المبنى الذي كانت تطل الشجرة من وراء أسواره؛ سيبنون واحدًا أكبر، ربما -رغم اتساعه- لن يكون فيه مكان لياسمينة جديدة، وظهري -الذي اشتدت آلامه في تلك اللحظة- لن يقدر على تحمل جلسة الرصيف بعد الآن. لكني لا زلت كما أنا! لم يزد عليّ سوى ألام ظهري وأبيض الياسمين الذي ترك الورد وزحف لرأسي. لا زال عقلي يرى المرأة العجوز مهما حاولت دفعه لرؤية بقع ألوان مجردة، ولا زال قلبي ينتظر جلسة أخرى معك تهدئ روعه قليلاً قبل أن يتوقف نبضه للأبد. 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية نملة

الكهف

حقيبة سفر