حكاية نملة

يداي تفلتان الورقة، وعيناي تغمضان استعدادًا لمواجهة الأمواج، وأرجلي تتوقف عن مقاومة الغرق، كل ذلك يحدث بشكل لا إرادي؛ ذلك أن الطاقة المتبقية داخلي لم تعد تكفي أكثر من إبقاء تلك التروس الدائرة في عقلي تلف في حركتها الطبيعية. متى تبدلت خصوم المعركة؟

أتذكر البداية. كانت منذ أسابيع فقط، لكنها تأتيني الآن في شريط فيلم تتراص فيه صور باللونين الأبيض والأسود وكأنها منذ عقود. فيلم قديم اهترأت بعض أجزائه وبهتت صور في أجزاء أخرى منه بشكل يجعل تتبع القصة صعبًا.

نشأت في واحدة من أعرق قرى النمل وأكثرها تحضرًا وغنىً وقوة. بنيت القرية في مجرى نهر صغير جف منذ زمن. كنت عاملة هناك ضمن عدد مهول من العاملات. والدتي كانت من أحلى ملكات النمل وأكثرهن جمالاً، هكذا كان يحكي كل من في القرية عنها. أحببت موطني كثيرًا وأحببت كل من فيه، وكنت أشعر بانتماء حقيقي، أو هكذا كنت أعتقد. كل شيء كان يسير بشكل مثالي، حياة آمنة وغذاء وفير وأعداد العاملات من النمل المنضمات إلينا كان في زيادة مستمرة، بفضل ملكتنا الولود وذكور النمل المتوافرين في القرية، مما جعل قريتنا تتوسع وتكبر وتقوى. حسنًا، لم تستمر هذه الحياة المثالية طويلاً.

يومًا أتتنا نملة غريبة. صدها الحراس فورًا وكادوا يقتلونها، إلا أنها نطقت بكلام رآه الحراس مخيفًا، ففضلوا احتجازها حتى يخبروا الملكة بما قالته. هذا ما فهمته وقتها من نملة حارسة صديقة. بعدها، وفي حادثة غير مسبوقة، خرجت الملكة إلى ساحة القرية وأمرت الحراس بإحضار النملة الغريبة لتسمع منها بنفسها. تركت كل العاملات أشغالهن ووقفن ينظرن. "المياه ستعود لتغمر المجرى من جديد، لا أعرف ماذا حدث بالضبط، لكن الماء قادم. هذا ما يشاع بين كل حيوانات المنطقة بأسرها."

غمرنا الذعر بعد ما سمعناه. بدأنا نحمل ما نقدر عليه من طعام مخزن أو بيض لم يفقس بعد ونترك مكاننا تمامًا لمكان لا يصل إليه الماء. لكن الماء كان أسرع منا! غمر الماء القرية بأكملها دون أن يتمكن الجميع من الذهاب للضفة اليابسة. كنت قد وصلت للتو إلى اليابسة قبل أن أسمع صرخات مألوفة. التفت فوجدت كل من أعرفهم من رفيقات الطفولة وزميلات العمل وهن يغرقن دون أن أتمكن من فعل شيءٍ غير الصراخ ثم البكاء والنحيب. مات أكثر من نصف سكان القرية، ونجت ملكتنا بالكاد وعدد قليل من البيض. عدد أقل من أن يقيم قرية أخرى كالتي هدمها تيار الماء، أو حتى نصفها.

كان لابد أن نتعايش. حاولت الملكة إعادة تنظيمنا وحثنا على بذل الجهد لبناء قرية أخرى بأقصى سرعة لنوفر مكانًا ملائمًا لما أنقذناه من بيض وطعام. الكل كان يحب الملكة، والكل بذل ما يقدر على بذله من أجلها. أما أنا، فكنت أشعر بأن بيني وبين هذا النهر ثأرًا شخصيًا؛ لقد دمر حياتي الرغيدة وأفقدني الكثير ممن أحب. فضلت الابتعاد عن بقية النمل لحين استعادة ثأري.
لا أدري كيف كنت أفكر وقتها، لكني كنت واثقة أن بإمكاني إخضاع هذا النهر لأمري. كنت أوقن أن كل هذا العبث سينتهي بقرار آخذه. كنت أحمل قوة تجعلني أعتقد أن بوسعي تغيير العالم!

كانت الخطة بسيطة: أصعد حيث شلال مصغر يصنعه الماء هابطًا من مرتفع صغير يمكن رؤيته من موقعي بالأسفل، أبحث عن جذع شجرة وأبحث أيضًا عمن يساعدني في وضعه بالضبط بين ضفتي النهر، ثم يقف تدفق الماء ويجف المجرى مجددًا. هذا كل شيء!

هذا كل شيء؟ يا لسخفي! رحلة الثأر هذه كانت كفيلة لتكشف ضعفي الذي أعماني الغرور عن رؤيته. ضعف يجعل ريحًا خفيفة في أول المشوار تقذفني في الماء ولا أجد سوى ورقة نبات صغيرة أتشبث بها، دون مقدرة على العودة لليابسة أو شجاعة للاستسلام للموت بنفس راضية. ثلاثة أسابيع وأنا أعلق يداي بالورقة وأعلق الآمال على قدرتي على تجاوز ذلك الخطر. متى بالضبط خلال هذه الأسابيع الثلاث تبدلت خصوم المعركة، وأصبحت بدلاً من محاربة العالم الذي يفرض علينا وضعًا لا يريحنا، أحارب نفسي كل يوم لأتخلص من وهم العظمة ذاك ولأتخذ قرارًا يخلصني مما أنا فيه؟ 


يداي أفلتتا الورقة، وعيناي أغمضتا استعدادًا لمواجهة الأمواج، وأرجلي توقفت عن مقاومة الغرق. الطاقة بداخلي استنفذت كليةً. لا شيء باقٍ لأي مقاومة، لا شيء باقٍ سوى ما يبقي تلك التروس في عقلي تدور وتدور. متى تبدلت خصوم المعركة؟ متى أصبحت بهذه الهشاشة؟ هل هزيمتي في هذه المعركة تتضمن ألا أستطيع إيقاف التروس عن الدوران وأتمكن من الإذعان للاستسلام فحسب؟ متى تبدلت خصوم المعركة؟ 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكهف

حقيبة سفر