زيارة لمتحف مدينتنا

"أهلاً بكم في المتحف الأول من نوعه على مستوى العالم، والذي كان بداية حقيقية حركت الدراسات حول الموضوع الرئيسي للمتحف في مختلف بقاع الأرض وأدت إلى إنشاء متاحف أخرى في أماكن عدة. أهلاً بكم في المتحف الوطني للمشاعر البشرية المركبة"

لا أعرف الكثير عن المتحف سوى أنه الأول من نوعه في العالم، لكني لا أفهم ما يهتم المعرض به. عندما أخبرتني سمية بأن نزور المتحف في عطلة نهاية الأسبوع، تساءلت ضاحكة إن كانت تفهم شيئًا مما يقال عن ذلك المتحف أصلاً. "أفهم أنه متحف فريد، والباقي نفهمه عندما نزوره، وإلا فما فائدة الزيارة" بدا لي ردها مقنعًا. سكتت برهة قبل أن تكمل: "ودخول الطلبة مجاني" بدا لي ذلك الجزء أكثر إقناعًا.

"أعلم أن الكثيرين منكم لا يعلمون معنى مصطلح مشاعر بشرية مركبة. لذلك قبل أن نبدأ جولتنا سنحاول شرحه بإيجاز، ثم ستتولى جولتنا هنا شرح الأمر بتفاصيل أكثر. منذ عقود طويلة، قرر البشر الاستغناء عن كل ما يستنزف طاقتهم دون داعٍ، وذلك ليوفروا طاقة أكبر لإنشاء النهضة الحديثة التي نعيش آثارها الآن. لم يحدث ذلك على مرحلة واحدة بالطبع، لكن النجاح في التخلص من ذلك العبء المتعب وتوجيه تركيز الإنسان على أشياء أكثر أهمية تعتبر واحدةً من أهم إنجازات البشرية عبر تاريخها. الغرض من هذا المتحف هو محاولة تقريب الصورة لأبناء عصرنا ومساعدتهم على تخيل إلى أي مدى كانت المشاعر تتحكم في أسلافنا بشكل يقيد حركتهم ويعرقل تطورهم. اليوم حياتنا أسهل لأننا نعيش عددًا أقل من المشاعر، تكاد تنحصر في الفرح والحزن فقط مع عدد يسير من المشاعر البسيطة الأخرى."

لا أعرف إن كان الملل يصنف من المشاعر المركبة التي تخلص منها جيلنا، لكنني أشعر به الآن وأنا أستمع لهذه المرشدة التي تقول كلامًا لا أفهم منه شيئًا.

"نبدأ جولتنا من هنا، حيث نجد "عم صابر" الذي نقل عنه أحفاد أحفاده رسائل تحمل معانٍ غريبة وصعبة الاستيعاب. عم صابر كان يعمل بوابًا بسيطًا، لكن حياته تحولت إلى نعيم بالغ بعدما اكتشف أن إحدى ساكني العمارة يستخدم شقته كملتقى لمتعاطي المخدرات يشترونها ويتعاطونها مقابل مبالغ مغرية. كان عم صابر يود أن يبلغ عما رآه، لكن صاحب الشقة هدده إن فعل، وعرض عليه مرتبًا شهريًا ضخمًا مقابل سكوته. عم صابر كان بحاجة للنقود لعلاجه ولعملية أحد أبنائه، فقبل العرض. إلى الآن قصته تبدو عادية. يمكن أن تحدث في عصرنا بحذافيرها. المختلف هنا هو أن عم صابر كان يشعر بالخزي بسبب فعلته، وكان رغم تبدل فقره وعوزه رخاءً وسعة، إلا أنه لم يتوقف عن الندم على قراره. رسائله التي زادت على العشرين -كان قد أنهى الإعدادية ويستطيع الكتابة، لكن كتاباته كانت ركيكة بعض الشيء- كلها تتحدث عن أن الزمن لو عاد به لاختار لحياته أن تستمر بشكلها القديم حيث الفقر الشريف كما يصفه في رسائله."

كانت المرشدة توجه جسدها لنا بينما تنظر بوجهها لصورة عم صابر المعلقة وتشير بيديها إلى لوح زجاجي معلق داخله تلك الرسائل السخيفة. كانت تتكلم بحماس وكأنها تحكي شيئًا مهمًا. لا أعرف كيف أصف شعوري تجاهها، لكني لا أرغب في أن أكون مكانها ليطلب مني أن أتحدث عن سخافات كهذه بحماسة وكأنني مقتنعة ما أقول فعلاً.

"قصة عم صابر تعد من أواخر القصص التي وردتنا عن أسلافنا من هذه النوعية، حيث كانت المشاعر مستقلة عن الأفعال. بمعنى أنه يمكنك أن تفعل شيئًا يجلب عليك نفعًا دون أن تشعر بأنك تود عمله فعلاً، والذي يولد ما كان يعرف عندهم بتأنيب الضمير. تخيل كمية الطاقة التي يتعين عليك بذلها لتقوم بشيء نافع ماديًا لكن قلبك لا يعترف بهذه المنفعة المادية، كل هذا مع إبقاء مشاعرك المضادة لفعلك قيد التشغيل! ما حصل في عصرنا هو أن المشاعر صارت تابعة لأعمالنا، فنحن نقيم الفعل ونحدد إن كنا سنقوم به أو لا بناءً على المنفعة التي يمكن أن نجنيها من ورائه، ثم بعد ذلك نشعر بالارتياح نتيجة قرارنا أيّا كان، دون أن نستهلك طاقتنا في توليد مشاعر سلبية لأننا لم نتمكن من أخذ خيار يوفر لنا كل ما نتمناه."

حسنًا، هذا يبدو مملاً أكثر. شخصيات تنشئ لها المتاحف لفرط حمقها! أي زمن ذلك الذي نعيش فيه؟

"هنا يوجد الركن الأدبي، حيث توجد به مكتبة تضم العديد من الكتابات الشعرية والنثرية التي وصف فيها أسلافنا العديد من مشاعرهم المختلطة، فهناك من لم ينل وصل حبيبته لكنه لم يتمكن من التوقف عن حبها، نعم هذا كان يحدث فعلاً لا تستغربوا! وهناك من يصفون تعلقهم الشديد بمحل نشأتهم ويشتاقون إليه حين يبتعدون عنه، يسمونه وطنًا ويطلقون على البلاد التي يتركونه للذهاب إليها غربة، ولا يكفون عن بكاء أوطانهم طيلة غيابهم، وهناك الرثاء، الذي يصفون فيه حزنهم لموت محبوبيهم، وكأنهم يكتشفون للمرة الأولى أنهم ليسوا مخلدين، وهناك العديد من الأقسام التي ستبهركم دون شك. عندما ننهي جولتنا سنعود للمكتبة لأترككم فيها مع مختارات من مؤلفاتهم التي ستثير استغرابكم وربما إعجابكم أيضًا"

 ألتفت لسمية فوجدتها متحمسة كالمرشدة أو أكثر. سألتها إن كانت حقًا ترى الحديث عن هذه السخافات ممتعًا أم أنها تتصنع الحماسة لتقنع نفسها بأن اقتراح المجيء إلى هنا لم يكن غلطة. "كفي عن هذا يا سلمى، هذا تاريخ! حتى لو اعتقدنا بأن أسلافنا كانوا ساذجين، فهذه سنة الحياة، لابد أن أسلافنا كانوا يعتقدون أن أسلافهم من البشر البدائيين كانوا ساذجين أيضًا" هكذا ردت سمية باندفاع جعلني أشك أن ما يقال يمكن ألا يكون مملاً لهذه الدرجة.

"قبل أن نغادر المكتبة أود فقط أن أطلعكم على شيء يستحق التأمل. هل سمع أيّا منكم عن فيس بوك؟"

رفع عدد محدود أيديهم، كلكم كبارٌ في السن على كل حال.

"حسنًا، لمن لا يعرف، هو موقع من مواقع ما كانوا يطلقون عليه مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كان أسلافنا يهتمون بالتواصل مع من يعرفون ومشاركة ما يفكرون فيه معهم. من بين العديد من المنشورات المؤرشفة في المكتبة في قسم خاص، أود أن أطلعكم على هذه المنشورات." أخدت المرشدة خطوةً إلى الأمام وتناولت بيدها ملفًا يحوي صورًا ونصوصًا مكتوبة، أخذت تقلب فيها وتشير بيدها بينما تكمل: "في تلك الآونة كانت هناك حروب تجري في أماكن مختلفة من الوطن العربي، وكانت صور القتلى والمصابين والمشردين تملأ تلك المواقع وقتها، عندها شعر بعضهم بأن شعور التعاطف مع أولئك الضحايا يمكن أن يقل من كثرة الصور التي ربما ستجعل هذه المناظر عادية، وطالبوا بتقليل نشرها، بينما رأى البعض الآخر أن واجبهم أن يعرفوا ما يحدث ومشاركة الضحايا ما يعانونه ولو بالحديث عن معاناتهم. مجموعة ضخمة من المشاعر التي ربما لن نستطيع فهمها بشكل واضح، لكن ما أود لفت النظر إليه هنا أنهم لم يكونوا يستخدمون مشاعرهم بطريقة خاطئة فحسب، بل كانوا أيضًا يخافون على تلك المشاعر أن تتبلد وكانوا يبحثون عما يجعلها موجودة وقائمة بشكل دائم"


همت المرشدة بأخذ خطوة إلى اليمين والإشارة لنا بالمكان الذي سنذهب إليه الآن، عندما رفع أحدهم يده مستأذنًا وطلب أن نغير الجدول قليلاً ونتجول في المكتبة الآن قبل مغادرتها. أبدت المرشدة ترحيبها، وأشارت لنا بالدخول وأعلمتنا بأنها ستأتي لاصطحابنا بعد ساعة من الآن. عندها ركضت أنا مسرعة للخارج أبحث عن مكان أشتري منه شيئًا باردًا أشربه، وأنا أشعر بالفرح لأن شعور الفرح لم تتم إزالته بعد في عصرنا كما قالت المرشدة، وهذا يجعلني أشعر بالفرح لأنني في هذا العصر شديد البساطة وليس في عصر أسلافنا المعقدين.  


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية نملة

الكهف

حقيبة سفر