في ليلة كغيرها من الليالي
"أنا
لم أكن أنوِ السير في ذاك الطريق فعلاً. نعم، هذه كانت نيتي، وأنت لا تستطيع أن
تكذب نيتي، لا تستطيع أن تكذبني! كانت نيتي صادقة تمامًا، وأعتقد أن أفعالي كانت
صادقة مثلها أيضًا، لكنها الحياة، كما تعرف، لا تعبأ كثيرًا بكل هذا.."
كان يبدو أنه لا يسمع. اعتدلت من نومتي والتفت إليه وراقبت صدره يعلو
ويهبط بسرعة والعرق يتصبب منه ومن جبينه أيضًا، لا يزال مستيقظًا، لكن النوم
سيهزمه سريعًا. سحبت الغطاء وخبأت جسدي كله تحته، وبقي نصف رأسي يخرج منه فقط
لتنفس الهواء.
"أتعرف، أشعر أنني بدأت أدرك كم كنا متشابهتين حقًا."
كنت واثقة أنه لا يسمع. كان صدره قد بدأ يصعد ويهبط بسرعة أقل، وكانت
عيناه تنغلقان وحدها رغم مقاومته لذلك. أستطيع أن أرى النوم يزحف فوقه ببطء كأفعى
سوداء كبيرة، لكنها لم تكن تحتاج لأكثر من مد رأسها ناحيته حتى يسير النعاس في
خلاياه كلها.
ولأنني كنت واثقة أنه لا يسمع، أكملت حديثي:
"أحيانًا أكره جينات والداي المميزة، تلك التي وضعتهما أمام
بعضهما البعض وحتمت عليهما، باسم الخدمة المجتمعية وتحسين النسل، أن ينجبا طفلين
في أربعة أعوام على الأكثر، يذهبان للدولة ترعاهما في دور الحضانة والمدارس
الداخلية، حيث لن يتمكنا من أي شيء غير نسيانهما فحسب. وبمجرد إنجاب الطفلين يكون
بمقدورهما الانفصال -إن أرادوا- لإكمال المهمة مع شخص آخر، أو ربما الاستمرار مع
ذات الشخص لتكرار نفس المهمة مجددًا. لا أعلم هل قررا الانفصال أم الاستمرار، لكني
لم أسمع قبلاً عمن فضل الاستمرار. هل سمعت أنت عن شيء كهذا؟"
التفت إليه فوجدته يهز رأسه بالنفي وكأنه يريد إقناعي بأنه يسمع.
أكملت دون أن أشعره بفشل تظاهره:
"نعم، والداي يحظيان بمناعة مثالية، مثلي تمامًا. هذا مؤكد لأنهم
عاشوا كل هذا رغم كل البكتيريا التي لم نعد نتمكن من محاربتها. من المؤكد أيضًا
أنهما كانا يملكان بشرة شديدة البياض وعيونًا زرقاء وشعرًا أشقر، مثلي تمامًا. لكن
كل هذا لم يشفع لهم ليجدوا الحب، أو هذا هو تحديدًا ما منعهم من ذلك. كيف أعرف
أنهما لم يحبا بعضهما؟ حسنًا، لا أحد يحب الآخر بطريقة كهذه! هذا واضح حتى قبل خوض
التجربة."
عاودت النظر إليه بينما أضم رجلي لصدري وأحاوطهما بيدي، وأسندت رأسي
على ركبتاي. كان النوم قد تمكن منه تمامًا. راقبت نقطة عرق تنحدر من جبينه ببطء
للأسفل. هممت بمسحها لكني لم أفعل. لم أسأله قبلاً عن عدد التجارب التي مر هو بها.
لا أدري لماذا. ربما تكون الأولى مثلي، أو ربما هي الثانية مثلاً، لكني لا أرجح
أنها ستزيد عن ذلك.
حكيت له قصتي مرات عديدة، لكن كلها، ربما عدا مرتين أو ثلاث، كانت وهو
في تلك الحالة التي لا يمكن أن يسمعني فيها. حدثته عن مدرستي، أو عما أذكره منها،
وعن "المربية نوال" التي لم أكن أحبها أبدًا. كانت شديدة النحافة، بشعر
أشقر وعينين زرقاوتين وملامح رقيقة، لكنك لا يمكنك أن ترى رقة ملامحها أو تستمتع
بلون عينيها، ذلك أن كل ذلك الجمال يختبئ دائمًا تحت قناع غليظ من العبوس الدائم
والصراخ الذي لا ينقطع، حتى أنني، كنت صغيرة للغاية وقتها، ربطت بين الشعر الأشقر
والطبع الغليظ، قبل أن أدرك أنه عند عامة الناس مرتبط بجمال نادر. لقد كان نادرًا
بالفعل في مدرستي، لم يكن هناك من يملك شعرًا أشقر غيري أنا والمربية نوال. الكل
كان يقول أنني أشبهها، لأننا نمتلك نفس القوام ولون الشعر والعينين، إضافة إلى تقارب
ملامحنا، وكنت أكره ذلك للغاية. كانت تلك المربية سبب كوابيس عدة عشتها في طفولتي،
من عقوبات مستمرة وتهديدات بالحرمان من الطعام أو الماء، لكن أسوأ تلك الكوابيس
كانت يوم مرت أمامي وقالت ما قالته..
تقلب في الفراش موليًا وجهه عني، وسحب بيده الغطاء فوق جسده العاري
تقريبًا. هو يكره جدًا أن أتحدث عن نوال، لذلك شككت لوهلة أنني كنت أتحدث فعلاً بصوت
عالٍ وأنها لم تكن مجرد أفكار محبوسة بداخلي.
لو صرخت الآن ربما لن يسمعني أيضًا. المربية نوال كانت تهتم لصراخي
أكثر منه. كنت عندما أصرخ رافضة أداء التمرينات أو تناول الخضار كانت تأتي مسرعة
حاملةً أي شيء تجده في طريقها، عصا طويلة أو مسطرة أو كتاب أو حتى صينية الطعام
التي توزع علينا في المطعم، وتهددني بالضرب بالشيء الذي جاءت به إن لم أتوقف عن
الصراخ وأنفذ الأوامر. حسنًا، لقد نفذت تهديدها أكثر من مرة.
كنت صغيرة وقتها، أصغر من أن يستوعب عقلي كل هذا، لكن تلك الحياة التي
كنا نعيشها في المدرسة الداخلية معزولين عن كل شيء كان مخططًا لإعدادنا لإكمال
المهمة. هناك يهتمون بصحتنا الجسدية للغاية ويبالغون في العناية بلياقتنا والتأكد
من خلونا من الأمراض، ويحدثوننا عن الوطن الذي نعيش عليه ويفي علينا بوافر خيراته
وكثير نعيمه والذي يحتاج إلى نسلنا القوي ليبني شعبًا ينعم بصحة أفضل، وعند سنٍ
أكبر يشرحون لنا ما سيمكننا من أداء المهمة بشكل مقبول في مدتها القصيرة، ثم عند
سنٍ أكبر يبدؤون في عمل حساباتهم بناءً على تحاليل كثيرة يقومون بعملها لنا،
ويحددون وفقًا لها الفتاة المناسبة صحيًا للرجل المناسب، للخروج بأفضل أبناء
ممكنين. كل ما كنت أعيشه كان جزءًا مهمًا للوصول للخطوة الأخيرة، لكنني، وحدي، كنت
أرفض ذلك، وكنت مصرة على الخروج من هذه الدائرة البشعة إلى حياة أخرى. كيف كنت
أتخيل تلك الحياة الأخرى؟ لا أذكر تمامًا، أراها الآن يلفها ضباب كثيف يخفي
ملامحها تمامًا. أذكر مرات امتنعت فيها عن تناول بعض الفيتامينات لأصبح أقل صحة،
ومن ثمةً أقل ملاءمة للمهمة، من بقية أقراني. في تلك المرة جاءت نوال لتجبرني على
أخذ الفيتامينات بالقوة، قائلة بأن ما أفعله لن يجدي، عندها نظرت مباشرةً في
عينيها وقلت لها بقوة وعناد بالغين: "بلى، سيجدي، ولن أكون مثلك أنت وكل
هؤلاء، لن أشبهك في أكثر من لون بضع شعيرات. لن أكون مثلك!"
كنت أنتظر أن يهبط كفها على خدي محدثًا فرقعة عاليةً واحمرار مزمن،
لكن ما حدث أن قناعها العابس اختفى ليستبدل بوجه لا شيء فيه، ثم مضت نحو الباب وهي
تقول أنها ستمر على بعض الغرف قبل أن تعود، وعندها من الأفضل أن أكون قد تناولت
جرعتي بهدوء، وتركتني ومضت ولم تعد.
أخذت الجرعة وألقيتها من شباك غرفتي الصغيرة وأنا أشعر بزهو حقيقي
بأول انتصاراتي، أو هكذا حسبتها، قبل أن تمر من أمامي في اليوم التالي لتقول ما
قالته.. كان ذلك أسوأ كوابيسي على الإطلاق، كابوسي الذي لم أستيقظ منه بعد.
أنا لم أكن أنو السير في ذاك الطريق فعلاً. وأعتقد أنني فعلت ما يفترض
أن يبعدني تمامًا عنه. كانت نيتي صادقة تمامًا، وكذلك كانت أفعالي، لكنها الحياة!
في ذلك اليوم مرت نوال من أمامي، وقالت إنني أشبهها فعلاً: "أعلم أن ذلك
يضايقك، أعلم أنك تكرهيني. لم آت لأقول لك أنك تشبهيني فقط لأغيظك، لكنني أخبرك
لأنك بحاجة لمعرفة ذلك! الأمر ليس في مجرد شعر أشقر كما قلتِ" تنهدت ونظرت
للسقف وهي تكمل: "أنتِ تذكريني بصباي. كنت مثلك في كل شيء، حتى محاولات هربك.
لكن، كما ترين، إنها الحياة!" قالتها بهدوء، ورأيتها تشيح بوجهها وكأنها تريد
إخفاء دمعة لم أتمكن من رؤيتها، ثم مضت..
"نعم، أنا شديدة الشبه بها، كيف لم أبصر ذلك خلف قناعها
العابس؟"
وكأنه استيقظ على صوتي. سألني إن كنت أكلمه.
"أنت تعرف أننا إن لم ننجح في خلال سنة من الآن سندفع ضريبة،
أليس كذلك؟"
قال بصوت يملأه النوم بأننا إن لم ننجح في خلال شهر من الآن سنقدم
التماسًا لتغطية تكاليف عملية تلقيح صناعي. سكت قليلاً، ثم أكمل وهو ينهض متثاقلاً
ملتقطًا ما خلعه من ملابس ليرتديها مجددًا:
"أو ربما التماس لتبادل أزواج مبكر تنبئ التحاليل له بنجاح أسرع."
تعليقات
إرسال تعليق