حبات رمال

استيقظت باكرًا على غير العادة، أعلمني بذلك المنبه الصغير القديم الموضوع على يسار السرير. بجانب المنبه برواز خشبي مطلي بالأبيض يزين إطاره أسفل يساره وردة حمراء كبيرة، يحمل صورة من صور زفافنا، يقف فيها خلفي ويحيط خصري بذراعيه، بينما أدير رأسي ناحيته دون أن أدير جسدي. نظرت يميني فلم أجده نائمًا.
اليوم يوم مهم؛ زيارة دبلوماسية واتفاقية شراكة، وأشياء لا تقنعني جدواها لكني يجب أن أرتب لها جيدًا وأن أحرص على أن تمر الزيارة دون أي خطأ. في يوم كهذا يكون مهمًا أن تبرز للحاضرين مدى تقديرك لمجيئهم، والحقيقة هي ألا شيء أفضل من مظهر مثالي ليمنحهم هذا التقدير. أعرف ما الذي سأرتديه دون أن أحتاج للوقوف طويلاً أمام خزانة الملابس: فستان أسود قصير يصل للركبة بالكاد، ويتولى مهمة تغطية باقي الساق جورب أسود طويل وأنيق، كم الفستان طويل وينتفخ من أعلى الذراعين، ووسطه يجسم الخصر ثم يتسع نزولًا بفضل الكسرات التي تزينه. مع الفستان حذاء بكعب طويل ورفيع باللون الأحمر الزاهي، وكذلك لون الحجاب، وحقيبة يد سوداء بمنديل أحمر معقود على إحدى يديها. يكمل الإطالة كحل أسود خفيف وأحمر شفاه قاتم. كل شيء يبدو مثاليّا. أثناء سيري نحو باب الشقة مررت بالصالة حيث فوجئت به جالسًا، نظر إليّ ثم أدار وجهه، وكذلك فعلت أنا. كان يعلم ألا شيء مثالي وإن بدا عكس ذلك. ولسبب غير معلوم، شعرت بها ترغب في الخروج الآن وإفساد كل شيء.
"لن تغادري مكانكِ هنا. تسمعيني؟ لن تغادري مكانك"
قلتها وأنا أغلق باب الشقة برفق جاهدت تصنعه كيلا ينتبه هو للنقاش الدائر بيني وبينها. التقطت نفسًا عميقًا بصعوبة، وجاهدت لإبقاء عيني مفتوحتين على آخرهما كعجوز يحتضر. سرت بخطوات غير واثقة وكأنني لا أعلم كيف أخرج من العمارة سالكةً طريق العمل، الأمر الذي أكرره كل يوم منذ خمس سنوات. ماذا حدث خلال تلك السنوات الخمس؟ تغير الكثير، أعلم ذلك، لكن ما أعجز عن استيعابه هو كيف تجزأ هذا التغير الكبير جرعات كثيرة صغيرة تتراص ببطء بعيدة عن بعضها دون أن تلفت الانتباه، ثم تقرر تلك الأجزاء الضئيلة التجمع في لحظة، فتتفاجأ بها واحدًا كبيرًا واضحًا صعب الإغفال. هل يمكن لحبات رمل متناثرة أن تتجمع فجأة لتبني جدارًا رمليًا بهذه الصلابة؟ لابد أن الهواء سيطير الحبات المنفردة في مكانها قبل أن يعلن عن موعد تجمعها المفاجئ!
"حسنًا، أعلم أنك تودين الخروج، أعلم أن البقاء بالداخل صعب، أعلم أن المكان قد صار أضيق من أن يحتوي حجمك الآخذ بالتمدد. هل يمكننا أن نعقد صفقة؟ تمكثين بالداخل حتى نهاية اليوم ومرور الزيارة على خير وبعدها أطلق صراحك. فقط بضع ساعات!"
عدت أتوسل إليها دون صوت، لكنها تسمعني بالطبع، لماذا إذًا لا تستجيب؟ أخذت نفسًا عميقًا بصعوبة ومددت يدي أبحث في الحقيبة عن مفاتيح السيارة، أمسكتها وحدقت بها كعجوز يحتضر. فتحت باب السيارة اللامع كبقية هيكلها، وإن كانت من الداخل أشبه بغرفة أطفال مبعثرة لا يوجد بها شيء في مكانه، أكياس ملقاة وأوراق قديمة وزجاجات بلاستيكية وبعض علب العصير الفارغة. جلست خلف المقود وأخرجت هاتفي من الحقيبة ثم ألقيت بها مفتوحة في الكنبة الخلفية فتناثر بعض ما بداخلها ليزيد الفوضى. وضعت الهاتف على الكرسي المجاور وأدرت المفتاح بعصبية وانطلقت دون أن أنتظر الدقيقتين التي أمنحها عادةً للسيارة قبل الانطلاق.
لا شيء يحدث تمامًا كما نحلم، وإلا لحلمنا كما يحلو لنا وحصلنا على حياة مثالية. لكن هناك ما يدفعني للاعتقاد بأنه حتى لو أمكن لحياتنا أن تصير بالضبط كما نحلم، فإنني -قبل الخمس سنوات الماضية- لم يكن بمقدوري حتى أن أختار الحلم الذي سيجعل حياتي مثالية. كيف حدث ما حدث في خمس سنوات فحسب؟
أوقفت السيارة في مكانها المعتاد، وسرت قليلاً حتى باب الشركة ثم إلى مكتبي الذي أشاركه مع زميلتي سارة. سلمت بحماس مصطنع ودخلت وأغلقت الباب خلفي. "صباح النور يا سلمى. أكل شيء على ما يرام؟" شعرت بها تود الخروج. ماذا حدث لصفقتنا؟ أخذت نفسًا عميقًا وأدرت ظهري لحيث تجلس سارة وأخذت أحدق للحائط كعجوز يحتضر. أجبتها بصعوبة وأنا أتظاهر بالبحث عن شيء داخل الحقيبة: "نعم، أكيد، وأنت؟" لم تخرج كما اتفقنا، لكنها كانت واضحة في صوتي: "لم البكاء إذَا؟!" حينها خرجت ولم تتمهل، ولم يسعفني التحديق المتواصل في تجفيفها قبل نزولها. وقبل أن تقوم سارة لتحاول تهدئتي أخبرتها أني متوترة قليلاً بسبب المهام الكثيرة الموكلة إليّ اليوم، ودعوتها لمساعدتي في إصلاح الكحل الذي أفسدته دموعي. تظاهرت بتصديقي وقامت لمساعدتي. نظرت لمكتبي المرتب بحثا عن مرآة صغيرة أضعها فوقه عادة، لكني لم أجدها. فتحت الأدراج فقفزت في وجهي إسفنجة كانت محشورة في الدرج الأول، لا أذكر لماذا وضعتها هنا ولا كيف يمكن أن تكون مفيدة، وعندما هممت بالبحث داخل الدرج بدأت الأوراق التي تملأ الدرج حتى حافته تتساقط على الأرض. سألت سارة أن تعيرني مرآتها ريثما ننتهي من أمر الكحل، بينما أعيد كبس الأوراق داخل الدرج وأغلقه بصعوبة، واعدةً نفسي أن أرتب هذه الفوضى يومًا ما.
عندما فضحتني سارة ازداد قلقي بشأن زيارة اليوم، فلا ينبغي بشكل من الأشكال أن أرتكب أمامهم خطأ كهذا، كيف أسكن هذا القلق؟ أعدت مراجعة مظهري فوجدت أن بإمكانه إخفاء الكثير مما احتاج إخفاءه: وجه صاف بشوش وثياب أنيقة متناسقة الألوان. أخذت نفسًا عميقًا وجذبت الفستان من خصره للأسفل ورفعت الأكمام قليلا، وعندما شعرت أن هيئة تلك الفتاة الواقفة أمام المرآة ترضيني ذهبت لغرفة الاجتماعات بقدر من الثقة.
كل شيء في الغرفة جاهز للزيارة: الكراسي الأصلية في أماكنها وتلك الإضافية التي أوصيت بجلبها للغرفة لاستيعاب العدد الكبير مرصوصة بشكل جيد حول الطاولة الكبيرة، أمام كل كرسي ورق عليه شعار الشركة وقلم وزجاجة مياه وكأس زجاجية كبيرة بساق رفيعة. التكييف والأنوار وشاشة العرض، كله يعمل بشكل جيد. نظرت للساعة المعلقة في الغرفة وتأكدت من أنها تطابق تلك التي في هاتفي، ثم أغلقت الغرفة ورحت لاستقبال الوفد الزائر وإرشاده لمكان الغرفة.
لم أحب يومًا العمل كـ"سيكرتيرة"، لكن لسبب ما كنت شديدة الإخلاص للعمل، مخلصة إلى الحد الذي جعلني أخسره رغم أنني أحببته. كان يعاتبني على تأخري في العمل أحيانًا، وعلى عدم اكتراثي بشؤون البيت أحيانًا، وكنت -رغم اتفاقي معه- أشعر بأن ملاحظاته تلك تخنقني وتفرض عليّ أسلوب حياة لا أشعر أنه يناسبني، فأهرب للعمل -الذي يضيق به كلانا- أكثر، وأبتعد عنه وعن حياتنا أكثر.
بالأمس وصل الخلاف ذروته، فتذمر هو من أنه يحاول التضحية لإنجاح علاقتنا لكنه لا يرى مني إلا عدم الاكتراث. أخبرته أنه يهوى المثالية، وأنه قبل أن يضحي بعمله وأوقات أنسه مع أصدقائه عليه أن يضحي بالصورة المثالية المرسومة في ذهنه للأزواج المثاليين. أخبرني أنه على الأقل يحاول التضحية بينما لا أحرك أنا ساكنًا، وأنه لم يعد يحتمل. قلت أنني الأخرى لم أعد أحتمل تذمره المستمر ولا حياتنا التعيسة. نظر إلي طويلاً وكأنه يبحث عن فتاة أحبها يومًا وأحبته، ثم صرف وجهه وترك الغرفة.
لم يلحظ أحد يومًا أي شرخ صغير في علاقتنا، كنت أحسن إخفاء ذلك أمامهم عندما نكون سويًا، أمسك ذراعه وأحرص على ابتسامة ودودة، وأشير له عندما ينسى فيسحب الكرسي قبل جلوسي ويحمل عني حقيبة يدي، وكان ذلك ينجح تماما، بدليل كل الأسئلة التي تلقيتها من زميلاتي عن كيف تعلم زوجي هذه الرومانسية. كيف سيستقبلون خبر طلاقنا الذي عزم عليه قبل أن أنام مباشرة؟ دخل غرفة النوم وأخبرني أنه لن ينام هنا، وأن عليّ الاختيار بين أخذ محاولة جدية للإصلاح أو إنهاء كل شيء. لم أرد. فهم هو ما أراد فهمه، أو ما رأى فيه الحل الأمثل، لكنه قرر تأجيل التنفيذ حتى الغد أملاً في أن أعيد التفكير، وخرج.
وصل الوفد ورن هاتفي، كان هو. رفضت المكالمة وحاولت ألا أشغل ذهني بتوقع ما كان يريد أن يقوله. دخل الضيوف لغرفة الاجتماعات فوجدت رسالة منه. لم أقاوم عدم فتحها:
"تذكرين يوم علمت بالوظيفة الشاغرة في الشركة؟ حدث هذا منذ خمس سنوات. لم تكوني متحمسة، لم تحبي يومًا عمل "السكرتارية". أنا الذي شجعتك، تخيلت أنها ستكون خطوة نحو العمل لاحقًا بالمحاسبة بنفس الشركة، وظيفتك السابقة التي فُصِلت منها. كنت تحبينني، وكنت أحبك وأقدر ضيقك من ظروف عملك المتخبطة حينها، لكنك لم تفعلي، لم تقدري ضيقي من انشغالك المستمر. والآن تريدين ترك من أحببته يومًا لأجل عمل لم تحبيه أبدًا. أشفق على قلبي المحطم، لكني أشفق عليك أكثر."

تركت الزيارة بمهامها وركبت سيارتي، قدتها بعيدًا عن مقر الشركة، ووقفت بها حيث بدا لي مكانًا خاليًا من زحام المارة والسيارات، وأخذت أبكي كما لم أبك من قبل. في الوقت الذي كنت أخفي فيه حبات الرمال عن ناظري، كانت هي تتجمع ببطء، تبني سدًا منيعًا، والآن يقف السد بيني وبين من أحب، وبين الوظيفة التي أزهدها، وبين فتاة لا أذكر كل ملامحها، لكني أذكر أنها كانت أنا، ويتركني مع حياة ظاهرها جميل، شديد الجمال، لكن باطنها عفن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حكاية نملة

الكهف

حقيبة سفر