باقة النت
"أهلاً بيكي يا فندم أقدر أساعد حضرتك
إزاي"
قالت ما قالته دفعًا دون وقوف على "يا فندم" أو إبداء لهجة
استفهامية في سؤالها، مع ابتسامة مصطنعة يتبعها تحريك الرأس للأعلى والأسفل في
إشارة إلى أن فرصتي في التحدث قد أتيحت، كل ذلك وهي تنظر للشاشة المضيئة أمامها لا
لي. ختمت تلك الجملة الرتيبة انتظارًا دام ثلث ساعة.
- آه ياريت تساعديني فعلاً، عشان أنا جبت آخري منكم كلكم والله!
= ليه بس يا فندم إيه اللي حصل
بلهجتها الرتيبة مجددًا وأسئلتها التي تخلو من أي أمارة استفهام
- اللي حصل يا ستي إنكم شوية نصابين
= ياريت يا فندم حضرتك تهدي وتفهميني المشكلة عشان أقدر أساعد حضرتك
قالتها وهي تحاول تهدئتي دون أن ترفع عينيها من على الشاشة أمامها
- دلوقتي أنا كنت جددت باقة 30
= تمام يا فندم
- خلصت بعد يومين وأنا كل اللي عملته في اليومين دول إني قعدت على
ماسنجر ساعتين تلاتة مثلاً
= في اليوم يا فندم؟
- تفرق معاكي في حاجة؟
= لا يا فندم أنا بس بحاول أقدر استهلاك حضرتك
- وهو لو استهلاك حضرتي ست ساعات على ماسنجر كل يوم دا يخلص جيجا ونص
في يومين؟!
قلتها بغيظ لم أحاول كتمه
= طيب يا فندم ممكن تهدي بس وتديني رقم حضرتك
- قبل رقم حضرتي، أنا جيت قبل كده لزميلك أول امبارح، كان قاعد مكانك
على المكتب دا، وقالي هقدملك شكوى وفي خلال 24 ساعة هنرد عليكي
= جميل يا فندم
- لا مش جميل؛ عشان دلوقتي عدى 48 ساعة ومفيش حاجة حصلت!
= طيب ممكن تديني رقم حضرتك؟
- 01580253963
= تمام لحظة واحدة يا فندم
- اتفضلي يا أستاذة طبعًا، أما نشوف آخرتها
أخذت تنقل بصرها على الشاشة وتحرك الفأرة بيدها، وأصوات نقرها على
الفأرة بالإضافة إلى أصوات الـ "يا فندم" من زملائها تكسر الصمت. تنهدت
فجأة وأفلتت الفأرة من يدها.
- خير؟
= مفيش يا فندم السستم وقع بس
- وبعدين يعني؟
= مفيش يا فندم حضرتك هنستنى شوية وهيقوم إن شاء الله
- هو إيه دا اللي يقوم؟
= السستم يا فندم
تمنيت لو بإمكاني رفع الشاشة وضرب رأسها بها، لكني اكتفيت بالضرب على
طاولتها بأصابعي وإطلاق تنهيدة مسموعة.
= طب أنا أعمل إيه يا فندم
كيف تتمكن من الحفاظ على نفس نبرة الصوت وطريقة الإلقاء في كل أنواع
الجمل؟ لابد أنهم يتلقون تدريبًا ليتمكنوا من هذا بهذه البراعة!
- تعملي إيه؟ تشوفي شغلك!
= ما أنا مش هعرف أشوف شغلي والسستم واقع يا فندم
- يا مثبت العقل والدين
= خلاص يا فندم هو قام أهو مأخدش وقت خالص. قولتيلي رقم حضرتك كام؟
حدقت بعينيها وأخذت أمليها رقمًا رقمًا ببطء.. صفر.. واحد.. خمسة..
ثمانية.. صفر.. وهي تهز رأسها وكأنها تريد استعجالي. صمت مجددًا يكسوه المزيد من
الـ "يا فندم" من زملائها.
= تمام يا فندم، المشكلة بسيطة أوي، حضرتك شحنتي من غير ما تجددي
الباقة
- يعني إيه؟!
= يعني إنتي شحنتي بتلاتين جنيه، بس مجددتيش الباقة، فهو كان بيسحب
بالسعر العادي بره الباقة، خمسة وعشرين قرش للميجا
- أفندم!
= أيوه يا فندم
- والموظف اللي رحتله يجدد لي الباقة دا ومجددهاش دا مش فاهم اللي
انتي بتقوليه دا ولا هو مش شغال عليكم ولا مدسوس عليكم ولا إيه بالضبط؟
= يمكن يكون السستم كان واقع وهو بيجددها يا فندم
تنهدت طويلاً. أوقفت تلك التنهيدة سيل غضب كان سينفجر في وجهها ووجه
"السستم بتاعها"
- طيب، أنا هعرف أجيب حقي إن شاء الله، بس دلوقتي جدديلي الباقة عشان
أنا محتاجة نت حالاً
= تمام يا فندم.
عندما ناولتني الفاتورة ألقيت المبلغ المطلوب أمامها وخرجت مسرعة. في
الطريق كانت الباقة تعمل بالفعل، عندما وصلني "إيميل" يبلغني بأن الشكوى
المقدمة ضدي، بزعم أني أعرقل العمل ولا أقوم بمهام الوظيفة كما ينبغي، قد صعدت
لمجلس الإدارة، وأن عليّ مقابلتهم غدًا.
تعليقات
إرسال تعليق