الكهف
أمسك مطرقة ومعولاً. المكان موحش. أينما نظرت لا تجد سوى صحراء قاحلة
وشجيرات ميتة متناثرة هنا وهناك، وظلام قبيح. الكهف أمامي متوارٍ بين تلين صغيرين.
أدخل خائفة. أبحث عن غصن يابس صغير أو شيء مشابه أرسم به مخططًا على الرمال. لا
أجد. أحاول أن أرسم المخطط في ذهني كبديل. هل يمكن لهذا الكهف الموحش أن يتحول
مسكنًا يحوي من الجمال ما يشبه العين والروح معًا؟ أدفع السؤال جانبًا. أترك
المطرقة وأرفع المعول عاليًا ثم أهوي به بقوة. استمر في هذا حتى طلوع الفجر، حتى
حلول الليل التالي، حتى اكتمال القمر، حتى اختفائه تمامًا، حتى تصل حرارة أغسطس
ذرواتها، حتى تهطل أمطار يناير سيولاً، حتى أقع مغشيًا عليّ لا أشعر بجزء في جسدي
كله.. لا يزال الكهف موحشًا كما كان! زاد عليه صوت مزعج لا أعرف مصدره. أمد يديّ
بثقل لألتقط الهاتف واضغط "dismiss" لكني لا أتمكن من
العودة للنوم. أقوم متثاقلة لأبدأ يومًا طويلاً من الأعمال المرهقة.
عملي كمدرسة أطفال في سن السادسة يتطلب الكثير من الجهد. الكثير هنا
تعني الكثير فعلاً! كثير بمعنى أن أستيقظ كل يوم وأنا بهذا الإرهاق لأني لم آخذ
قسطًا كافيًا من الراحة، وذلك لانشغالي بتجهيز الكثير من الأشياء التي سأحتاجها في
الشرح لـ "أطفالي" كما يحلو لي تسميتهم. كل يوم أستيقظ صباحًا، أعد
كوبًا من الشاي مع شطيرة صغيرة أمضغها على عجل، ألبس سريعًا وألف حجابًا لا يتناسب
لونه دائمًا مع ألوان الطقم بشكل يثير تساؤلات والدتي كل يوم، أحمل حقيبة يدي
المقطوعة من الداخل فقط دون أن يظهر هذا القطع وأنا أرتديها، ثم أحمل أكياسًا
كثيرة تحوي أدوات متنوعة أستخدمها في الشرح، ثم أودع من في البيت وأمشي حتى مخرج
الشارع الرئيسي حيث يمكنني أن أوقف "ميكروباص" يقلني للمدرسة. وعندما
أصل أسمع صراخ الأطفال باكين أمام بوابة المدرسة رافضين دخولها، لكنهم يدخلون في
النهاية.
يومًا ما كنت أبكي مثلهم. كنت أكره المدرسة أيضًا. كانت لديّ مدرّسة
في الصف الأول الابتدائي، نفس عمر أطفالي الذين أدرسهم الآن، تدعى
"سامية". كانت قصيرة وسمينة، وجهها طفولي وحركتها بطيئة، لكنها كانت
سريعة الغضب دائمة الصراخ. لطالما أنبتني لأنني لا أبري قلمي كفايةً قبل الكتابة،
ولأنني أقضم أظافري باستمرار، ولأنني ألون الأشياء بألوان تخالف المألوف، وللعديد
من السخافات الأخرى. كرهت المدرسة كلها بسبب "أبلة سامية" والتي حتى بعد
انتقالي لمراحل دراسية أكبر كنت أجدها في مدرسات أخريات وكأنها وبقية المدرسات قد
خرجوا من قالب ثابت شكلهم بهذه الطريقة.
كهوف كثيرة أمامي، تتراص كلها بجانب بعضها البعض وكل منها يحمل رقمًا
خاصًا به. أدخل الأول. أقلب ناظري فيه. سيء! مساحة ضيقة وتهوية غير كافية. أخرج
مسرعة. أدخل الثاني. أتأمله. سيء! لا أماكن مريحة للجلوس أو النوم ولا مكان ينفذ
منه ضوء الشمس. أخرج مسرعة. أدخل الثالث. أتفحص جدرانه. سيء! الجدران غير مستوية
وبها الكثير من النتوءات إلى جانب لونها القاتم. أخرج مسرعة. أدخل الكهوف كلها
وأخرج. أصل أخيرًا لكهفي. أبدأ عمليات الإصلاح اللازمة. أجمع في ورقة كل عيوب الكهوف
القديمة كي أتفاداها. لم أر قط كهفًا مثاليًا لكني أعرف ماذا يحتاج كهفي ليصبح
مثاليًا، وهذا يكفي. أنتهي بعد عناء. أتأمله. جميل! هذا ما أود بناءه حقًا. أقارنه
بصور أحتفظ بها للكهوف التي دخلتها قبلاً، فلا أجد الفارق كبيرًا! "يلا يا
أبلة اللي نايمة ورا أنا أخري هنا". أفيق فزعة على صراخ سائق الميكروباص فأجد
أن شارع البيت قد فاتني. أنزل وأعبر الشارع لأكرب عربة أخرى تعود بي إلى الشارع
الذي فوته، وأنا أقول لنفسي أنني يجب أن أحصل على قدر من الراحة بدلاً من النوم في
المواصلات وتفويت المحطة.
عدت للبيت بعد يوم مرهق. لدي العديد من الكراسات بحاجة للتصحيح، لكن
الجوع يقرصني بشدة. اكتشفت أن الغداء الذي أعدته أمي لليوم قد نفد لأن أصدقاء أخي
جاؤوا فجأة وقت الغداء فأصرت أمي على إطعامهم. شتمت أصدقاء أخي سرًا وذهبت لأعد غداءً
سريعًا: طبق مكرونة بدون صوص وبيضة مسلوقة وحبة طماطم مقطعة إلى شرائح. أنهيت
الطبق في خمس دقائق فقط، ثم ذهبت لإنهاء التصحيح. كان عليّ التفكير في ألعاب
لتحضيرها لدرس الغد، ثم تنفيذ تلك الأفكار، إلى جانب تحضير الواجب أيضًا. لكني
مرهقة للغاية! أحيانًا أشعر بأن كل ما أفعله مجرد إضاعة للوقت، وأن الأمور يمكن أن
تسير بمجهود أقل. هذا ما تقوله لي "يارا" زميلتي المدرّسة القصيرة
السمينة ذات الوجه الطفولي والحركة البطيئة، والتي ترى أن ما أفعله هو إشغال لوقتي
بحكم كوني عزباء ليس لديها مسؤوليات بيت وزوج وأطفال مثلها، وإلا لأصابني ملل شديد
من فرط الفراغ الذي سيحيطني. أقول لها أنني أحاول تأدية وظيفتي بطرق أفضل. فتتساءل
عن المشكلة في الطرق القائمة حاليًا، لاسيما أن ذات الطرق هي التي شكلت "مس
سلمى" -تقولها وتشير إليّ باستهزاء وكأنها تستكثر عليّ لقب المهنة- التي
تتفلسف الآن على الطرق التي صنعت منها شيئًا، رغم أنها -تكمل كلامها عني بصورة الغائب، لماذا؟!- تمارس حياتها بشكل طبيعي بدون
أية عقد نفسية أو آثار جانبية تزعم الـ"مس" أن التدريس بتلك الطرق
يخلفها. ترى ما هي مشكلتي الحقيقية مع الطرق القائمة بالفعل؟
أحلّ ضيفة على صديقة أكبر مني بما يقارب الثلاثين عامًا، لكنّي لا
أعرف تحديدًا المناسبة التي جعلتنا أصدقاء رغم هذا الفارق في العمر. أدخل كهفها
فيزعجني منظره الكئيب وألوانه القاتمة وتجهيزاته غير المريحة. ألتزم الأدب وأتذكر
كيف ينبغي للضيف أن يتصرف، فلا أعلق على أي شيء مما أراه. بعد عدة أعوام أجد كهفًا
جديدًا أكبر وأوسع معروض للبيع بسعر مناسب. أقرر الانتقال للعيش فيه. منظره كئيب
وألوانه قاتمة وبلا تجهيزات، لكن بوسعي تغيير ذلك. أقضي وقتًا طويلاً في البحث،
فأجد أن الدهانات وأدوات الزينة باهظة الثمن صعبة الاستخدام، والتجهيزات جيدة
الخامة والصنع انقطع استيرادها منذ زمن. تقفز في ذهني فكرة: يبدو أن كهف صديقتي
كان جميلاً رغم كل شيء، على الأقل جميل في ضوء ما أتيح لها من أدوات. كهفي يشبه
كهفها جدًا، وكأنه نسخة طبق الأصل منها. أسمع صديقتي من الخلف تناديني بكلام غير
مفهوم، أصغي فأجد أمي توقظني لأنني نمت في الصالة وأنا غارقة وسط أوراق ملونة أقص
وألزق "قومي يا بنتي اتعشي وغيري هدومك دي وادخلي نامي في أوضتك، وراكي شغل
الصبح".
صباح اليوم التالي قمت بسلسلة الأعمال ذاتها. عندما وصلت المدرسة
قابلتني "يارا" مبتسمة على غير عادتها في الصباح الذي يوافق موعد
تكشيرتها الرسمي "سلمى انا حلمت بيكي النهاردة". أتصنع الاهتمام وأنا
أسألها إن كان خيرًا. "حلمت إنك في كهف ضلمة ومخيف وشكله وحش، وانتي قاعدة
جوا معاكي ألوان وعمالة تلوني الحيطة وترسمي لوح وتعلقيها تمهيدًا إنك تحولي الكهف
دا لمتحف، والرسومات كانت حلوة جدًا". نظرت باهتمام حقيقي هذه المرة:
"فكرك؟"
تعليقات
إرسال تعليق