حقيبة سفر
أعرفكم بنفسي: اسمي سلمى، سأتم عامي الثاني والعشرين بعد أسابيع
معدودة، ترونني في الصور المتناثرة بجانبي مع حقيبة سفري، أعرفكم بها لأن لها
دورًا بالغ الأهمية في قصتي التي أنا بصدد أن أحكيها الآن، وآمل من كل قلبي أن
تتسع صدوركم لي ولحكايتي العجيبة.
كنت لا أزال بعد في الثانية عشرة من عمري عندما اكتشفت أن هذه الحقيبة
ستحتل دور بطولة في سيرتي الذاتية. ذات يوم وضعتها أمي تحت سرير غرفتي وأخبرتني أن
لا مكان لها في غرفة أخرى. ولأنها كانت الحقيبة الأقرب، وضعت بها ملابسي عندما
سافرنا الصيف التالي لقضاء يومين على شاطئ البحر. في تلك الرحلة اكتشفت أن لهذه
الحقيبة قدرة سحرية: يمكنها التحرك وحدها لحيث تشاء، ويمكنها إرغامي على اللحاق
بها خوفًا من فقدان ممتلكاتي بداخلها. منذ ذلك اليوم وهي التي تقودني وترسم خطوط
سيري وحركة تنقلاتي كيفما أرادت. يومها ركضت خلفها فتركت الفندق الذي نزلنا فيه
وغادرت عائلتي للأبد، وقضيت ليلتي في الشارع بعد أن ضللت طريق العودة، وبعد أن
تفضلت عليّ الحقيبة بالتوقف عن السير عندما انتصف الليل.
مع طلوع فجر اليوم التالي، استيقظت فزعة على محاولات الحقيبة لإيقاظي
بالارتماء فوقي بعنف. بمجرد أن أفقت وبدأت أدرك أنني نمت في الشارع بثياب ألبسها
من عصر البارحة وبعيدًا عن عائلتي بسبب حقيبة خرقاء، بدأت الخرقاء بالركض مجددًا،
وبدأت أنا -كخرقاء أيضًا- أتحسس الأرض بيدي وأتقوى بها على النهوض رغم وهن ساقاي
اللتان تورمتا من النوم على الرصيف، ثم أركض خلفها.
أوصلتني إلى حيث بدا أنني سأقضي بقية حياتي.
مبنى صغير به ثلاثة طوابق، دهانه قديم وأرضيته متهالكة. قلت لنفسي أنه
ليس كغرفتي بالطبع، لكنه أفضل من نومة الشارع لحين يجدني والداي ويعيدانني إلى
البيت. كان كل ساكنيه فتيات في مثل عمري، إلا أن كلهم كان من ذوي الشعر الناعم.
وإن كنتم لا تعرفون معنى أن تعيش فتاة بشعر مجعد مثلي وسط هؤلاء، فدعوني أخبركم
أنني لم ألق أي استقبال جيد منذ اللحظة الأولى، ولم أجد من قد تقبل مصادقتي حتى
بعد مرور أسبوع على مكوثي وسطهن، ولم أر منهم غير استهزاء بطبيعة شعري المختلفة
عنهن دون ضجر من تكرار ذات الدعابات السخيفة. لم أعلم عندما دخلت ذلك المبنى أن كل
تلك المعاناة ستواجهني، ولم أكن أعلم إن كانت الحقيبة التي ورطتني في المكوث هنا
قد توقعت هذا السيناريو من المضايقات أم كانت مثلي ساذجة تفكر في كم الصداقات التي
سأكونها معهن والتي ستشغلني عن رداءة المكان وسوء تجهيزاته والبعد عن بيتي وغرفتي
أيضًا. وقتها اخترق تلك التوقعات صوتًا سمعته لم أتبين مصدره:
"هذه هي حياتك الجديدة، عليك التأقلم معها مهما بدا ذلك صعبًا،
سنمكث هنا طويلاً، طويلاً جدًا"
سمعت الصوت يخرج من الحقيبة بجانبي. كانت هذه هي المرة الأولى التي أعرف
فيها أن بمقدور تلك الحقيبة الكلام أيضًا.
أنهت الحقيبة حديثها وصمتت مجددًا، دون حتى أن تسمح لي بفتحها وانتقاء
ملابس أخرى بدل تلك التي أرتديها، ووقفت ثابتة على عجلاتها لا تحرك ساكنًا.
استغرق العثور على صديقة أسبوعين كاملين، رأيتها بالصدفة تجلس وحدها
في ركن بعيد تتفرج على بقية الفتيات يلعبن ويركضن. اقتربت منها فلفتني شعرها البني
المجعد. كان هذا خياري الوحيد للهروب من وحدتي القاتلة. لم نكن يومًا صديقتان
مثاليتان، ولم نقترب من ذلك حتى، لم نتشابه يومًا في غير شعورنا المجعدة -طبيعته
المجعدة فقط كانت موضع التشابه، أما اللون فكان مختلفًا هو الآخر ككل ما عداه.
شعري أسود قاتم وشعرها بني لامع-، لكن صداقتنا كانت بديلاً نلجأ إليه بين الحين
والآخر عندما تسأم كل منا وحدتها ويثقل عليها مواجهة سخافات البقية بمفردها.
كنت أحسب أن مكوثي هناك سيمتد طويلاً. حسنًا، لقد حدث، لكني كنت أعتقد
أنه سيستمر لمدة أطول. كنت لطول مكوثي هناك أظن الخروج خيارًا غير مطروح من
الأساس، لكنني غادرت ذلك المسكن -تجرني الحقيبة بالطبع- إلى مكان آخر. أذكر حينها أنني -رغم كل ما كنت
أشعر به من عدم الارتياح خلال المدة التي قضيتها هناك- بكيت كثيرًا يوم أخبرتني
الحقيبة أن أمامي ساعة واحدة أجمع خلالها أغراضي وأودع من يسعفني الوقت لوداعهم.
ذهبنا لبناية أخرى أكبر قليلاً، لكنها كانت أسوأ بكثير. يومها أعلنت ضجري واستيائي
بشكل صريح. صرخت في الحقيبة مذكرة إياها بما فعلته قبل عدة سنوات عندما تسببت في
إبعادي عن أهلي وفي قضاء حياة صعبة في المسكن القديم، وبأنها الآن ودون أدنى شعور
بالذنب تزيد حياتي بؤسًا وتنقلني لمكان أسوأ من سابقه. ووسط المحدقات من الفتيات
بهذا المشهد الكوميدي: فتاة تصرخ وتعاتب حقيبة سفر، هددت أنا الحقيبة بأنها إن لم
تغادر المكان حالاً فسأهرب بدونها. ولما لم تحرك الحقيبة ساكنًا التفتّ تاركة
المكان، لأجد أن ساقاي لم تعد تنصاع لإشارات دماغي بمجرد بلوغي بوابة الخروج! ظننت
حينها أنني لن أقدر على السير مجددًا، لكني عندما حاولت العودة للداخل تحركت ساقاي
بشكل طبيعي! حينها نظرت للحقيبة ثم بكيت على بوابة المبنى حتى صباح اليوم التالي.
لم يكن هذا الانتقال هو الأخير. لم تزل الحقيبة تنقلني من مكان لآخر،
دون أن تشاركني أسباب ضرورة الانتقال أو أسباب اختيار مكان الإقامة الجديد، ودون
أن تعطيني وقتًا أودع فيه رفقتي وأجمع ما يذكرني بهم أو أبكي على فراقهم. وغدت كل
ذكرياتي هنا أو هناك من كثر تنقلنا مجرد صور متفرقة لأشخاص يبدو أنهم أجبروا على
التجمع لالتقاط الصورة، فترى ضحكتهم متصنعة مهما حاولوا إبداء عكس ذلك، وتحس
أذهانهم مشغولة بالمواعيد التي يتوجب عليهم اللحاق بها وليس بالوقت الذي يقضونه
معًا. صور وإن ارتسمت على وجوه من فيها بسمات "من الودن للودن" إلا أنها
لا تحرك فيك أي مشاعر. لا جيد ولا سيء. فقط لا شيء! هذا أكثر ما يجعلني أكره تلك
الحقيبة من قلبي.
أتذكر كل هذا الآن وأنا أفترش رصيف الشارع وحيدة، حولي ملابسي المتسخة
مبعثرة، أتأمل صور التقطها على مدار تلك السنوات. أين ذهبت الحقيبة؟ لا أعرف!
يومًا ركضت فتبعتها، تركنا المسكن الذي كنا فيه، سرنا طويلاً جدًا، ثم بتنا على
هذا الرصيف حين انتصف الليل. في الصباح استيقظت وحدي دون أن تقفز الحقيبة فوق جسدي
أو تركل رجلي بعجلتها أو حتى تنادي عليّ بصوتها المزعج. التفت حولي فوجدت ما كان بداخلها
مبعثرًا أمامي، دون أثر لها!
حسنًا، عليّ أن أعترف: أنا بحاجة لها في كل الأحوال! لا أنكر أنها من
تسبب في معاناتي هذه من الأساس، ولا أنسى كيف كانت تفرض عليّ ما لا يطاق. لكنها
كانت تأخذ كل القرارات بدلاً عني، وبدونها لم أغادر الرصيف منذ ما يقارب الأربع
وعشرون ساعة. لابد أنها حددت إقامتي هنا -كما فعلت عند كل محاولة مني للخروج عن
طوعها- قبل أن تغادر. لابد أن قدمي لن تطيع دماغي لو أمرتها بالنهوض الآن.
يقطع تسلسل أفكاري الآن ذلك القادم من بعيد. شاب أسمر فارع الطول شديد
النحافة، يرتدي قميصًا أبيض وبنطالاً أسود، ويحمل حقيبة صغيرة. كل ما تبادر في
ذهني لحظة رأيتها أنها لا تركض أمامه لتقود حركته. هو يتحكم تمامًا بحركة ساقيه.
وهو يقصد أن يتقرب ناحيتي الآن وينحني عليّ ويسأل عما أصابني. "فقدت حقيبتي،
ويبدو أنني لن أستطيع التحرك دونها" هذا كل ما تمكنت من قوله. "لكنني
أرى أغراضك معك" سأل هو باستنكار. أخبرته أنني لن أستطيع التحرك لأن الحقيبة
كانت ترشدني للمكان الذي يتعين عليّ الذهاب إليه، وبدونها لا أعرف إلى أين أذهب. جلس
بجانبي وأسند ظهره للجدار ونظر للأعلى وهو يقول: "أها، الآن عرفت عن أي نوع
من الحقائب تتكلمين. حسنًا، أنا أيضًا كان لدي حقيبة مماثلة. وقد تركتني من فترة
ليست بالقصيرة". "وكيف تسير دونها الآن؟" تساءلت مندهشة. "لم
أتمكن من الصمود طويلاً على الرصيف، عندها اكتشفت أن الحركة دونها ليست مستحيلة".
فكرت كيف سأتجه، وأين سأقضي أيامي القادمة، وهل سأتمكن من مغادرة الرصيف فعلاً أم
أن قدمي سترفض، وما الذي يتعين عليّ فعله لأبقى على قيد الحياة، والعديد من
الأسئلة الأخرى. هل قلت أن الذكريات منزوعة المشاعر هي أكثر ما أكره الحقيبة من
أجله؟ حسنًا، فلنضف إليها هذه الجلسة على الرصيف التي لن تنتهي بغير حزمة ضخمة من
القرارات التي لا أستطيع حسمها بمفردي، بسببها!
يا خبر أبيض، ايه الجمال ده!! حلوة جدا بدون ما أبالغ والله. أنا معجبتنيش أوي أول فقرة ودي مهمة الحقيقة عشان تخلي القراء التانيين يكملوا قراية. من الفقرة التانية جذبتي انتباهي. هل ممكن تخشي جوا الشنطة؟ ولا انتي شايفة إن ده مش لازم؟ ربنا يتمها بالحاجات الكويسة دايما.
ردحذف